الخميس 20 سبتمبر 2018 م - ١٠ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شذرات من هدى القرآن

شذرات من هدى القرآن

الـصـوم وأثـره في النفـس (15)
الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلين وخاتم النـبيين وإمـام الـمتـقـين وحجـة الله رب العـالـمين وعـلى آلـه وأصـحـابه أجـمعـين وعـلى الـتابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـلا زال الحـديث مـوصـولاً عـن الـصيام وأثـره في الـنفـس، قال تعالى:(رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ..) (الـبـقـرة ـ 185)، والـقــرآن فـي جـمـلـته:(هــدى ومنـهـجـاً ونـوراً)، والـفـرقـان هـو أن يـضـع فـارقـاً في أمـور يـلـتـبـس فـيـها الـحـق بالـبـاطـل، فـيأتي الـتنـزيـل الحـكـيم لـيـفـرق بـين الحـق والـباطـل، (لِـيُحـقَّ الـحـقَّ ويُـزهِـقَ الـباطـل)، ويـقـول الله تعالى:(فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) (الـبـقـرة ـ 185)، وحـين تـجــد تعـقـيـبـاً عـلى قـضـية مـن الـقـضايا، فافـهـم أن مـن شـهـد مـنـكـم الـشهـر فـلـيصـمه، ولا بــد أن تقـدر مـن شـهـد الـشهـر، أي:(إن كان غــير مـريض، وغــير مسـافـر)، لا بـد مـن هــذا ما دام الله قــد جـاءكـم بالحـكـم الـفـصل، الـذي يطـمـئـن إلـيه الـقـلـب، وتـرتاح لـه الـنـفـوس ويـزكـو بـه الـعـمـل.
و(شَـهِـدَ) هـذه تـنـقـسم إلى قـسـمين:(فَمَن شَهِدَ) أي: مـن حـضـر الـشهـر وأدركه، وهـو غـير مـريـض ولا مسـافـر أي بمعنى: مـقـيـم، (.. وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّـهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ..) (الـبـقـرة ـ 185)، ونـريـد أن نـفـهـم الـنص الـقـرآني بـعـقـلـية مـن يـستـقـبـل الـكلام مـن الله الـحـكـيم الـعـلـيـم بإيـمان راسـخ.
إنَّ قـول الله تعالى:(يُرِيدُ اللَّـهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) تعـقـيـب عـلى مـاذا؟، إنـه تـعـقـيب عـلى أنـه:(أعـطى الـمـريـض وأعـطى الـمسافـر) الـرخـصة عـن الـصيام في حـالتي الـمـرض والـسـفـر، فـكأن الله تعالى يـريــد بـكـم الـيسـر، فـكأنـك لـو خـالـفـت ذلك لكـنت تحـب أن يـكـون الله مُعـسِـراً لا مـُيـسِّراً، والله لا يـمكـن أن يـكـون كـذلـك، وهـو الـرحـيم الـرء وف بـعـبـاده، وإنـما أنـت الـذي تـكـون مُعـسِـراً عـلى نفـسـك، والـصـوم له قــداسـة عـنـدك، ولا يـريــد الله أن تـكـون أسـوة سـيئة، فـلا تـفـطـر أمام الـناس، وأن ابـتـلـيت بـمـرض، أو طـرأ لـك سـفـر، والـتـزم بـقـول الله تعالى:(فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)، لأنك لـو جـنحـت إلى ذلك، لجـعـلـت الـحـكـم في نـطـاق التعـسـير لا في نـطـاق الـتـيسير.
يقول الله تعالى:(وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا) (الإسـراء ـ 12)، والله سـبحانه وتعالى ما جـعـل الـشمس عـلامة مـمـيـزة، سـطحية ظـاهـرة واضحة تحـدد لـنا بــدء الشـهـر، إنـما جـعـل الـقـمـر هـو الــذي يـحـدد لـنـا تلك الـسمة والعـلامة لـبـداية الـشهـر، وذلك بـرؤيـتـنا للهـلال الــذي يأتي في أول كل شهـر قـمـري، ويظـهـر كالـعـرجـون الـقـديـم.
إذن: فـالهـلال جـاء لـتـمـييـز الـشهـر، والـشمس جـاءت لـتمـييز الـنهار والـلـيـل ونحـن نحـتاج لـهـما مـعـاً، في تحـديـد الـزمـن لـنـعـلم تحـديـد السـنـين، وحـسـاب الـفـرائـض الأخـرى، مـثـل عــدة الـمـتـوفى زوجـهـا، وعـدة الـمـطـلـقـة وعــدة الـحـائـض ووقـت حـلـول الـديـون .. وغـيرهـا مـن الأمـور الـمتـعـلـقـة بالمـعـامـلات بـين الـناس، قال تعالى:(هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّـهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (يـونـس ـ 5).
قال الله تعالى:(يُرِيدُ اللَّـهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)، فـنـقـول لـك: لا إن الله يـريــد الـيُسـر، فـهـل أنت مـع الـعـبادة، أم أنـت مـع الـمـعـبـود؟ ، فـإن كـنت مع الـمـعـبـود ، فأنـت مـلـتـزم بـطـبيعة الحـال، وبطـبيعـة الإيـمان الـذي اسـتـقـر في الـقـلـب وصـدقـه الالـتـزام بالـعـمـل.
ومـثال آخـر نجــد في حـياتـنا الـيـومـية، أن هـنـاك مـن يأتي بـعــد أن يُـؤذِّن يجـهـر بـقـول:(الـصلاة والـسـلام عـلـيـك يا سـيـدي يا رسـول الله)، يـقـول إن هــذا هـو تعـبير عـن الحـب لـرسـول الله (صـلى الله عـلـيه وسـلـم)، لـكـن: هـل انـت تحـب الـرسـول (صلى الله عـلـيه وسـلم) إلا بـما شـرع الله ورسـوله؟، أو تحـب الـرسـول بـهـواك وبـدعـوى حـبـك لـرسـول الله، وقـد ورد عـن رسـول الله (صلى الله عـلـيه وسـلم):(إذا سـمـعـتم الـنـداء، فـقـولـوا مـثـل ما يـقـول الـمـؤذن ثـم صـلّـوا عـليّ ) ـ متـفـق عـلـيه.
فـقـد سـمـح الـرسـول (صلى الله عـلـيه وسـلـم) لـمـن يـؤذن، ولـمـن يـسـمع أن يـصلي عـلـيه ســرّاً لا جـهـراً، ولا أن يأتي بـصـوت الأذان الأصـيـل، وبـلهـجـة الأذان الأصيـلـة، ونصـلي عـلى النـبي (صلى الله عـلـيه وسـلـم) لأن الـنـاس قـد يخـتـلـط عـلـيها، وقـد يـفـهـم بـعـضـهـم أن ذلك مـن أصـول الأذان، ومـن لـم يأت بـذلك فإن أذانـه لـم يـكـمـل.
ويـجـب أن يُـقـال لـمـن يـفـعـل ذلك: لا يـا هـذا، ألا تـوجـد صـلاة مـقـبـولة عـلى النـبي (صـلى الله عـلـيه وسـلم) إلا الـمجـهـور بـهـا؟، لا، إن لـك أن تصـلي عـلى النـبي لـكـن في سِـرّكَ، وكـذلك إن جـاء مـن يـفـطـر في شـهـر رمـضان لأنـه مــريـض أو عـلى سـفـر، نـقـول لـه: اسـتـتر حتى لا تجـعـل الـناس يـظـنـون بـك الـظـنـونا، لا تـكـن أسـوة سـيئة لـغـيرك فـيـظـن بـك الجـاهـلـون، بأنـك انتهـكـت حــرمـة شـهـر الـصـوم، لأن الـناس لا تـعـرف أنـك مـريض أو عـلى سـفـر، اسـتتر كي لا يـقـول الـنـاس: إنّ مـسـلـماً أفـطـر بـغـير عـذر شـرعـي.
.. وللحـديث بـقـية.

ناصر الزيدي

إلى الأعلى