الأحد 23 سبتمبر 2018 م - ١٣ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / نجاح الدعوة (5)

نجاح الدعوة (5)

ومن الأمثلة على تعامل النبي (صلى الله عليه وسلم) مع المواقف باللطف والحكمة: تعامله مع الأعرابي الذي جذبه من ثوبه جذبة شديدة حتى أنها أثرت على رقبته الشريفة، وقال له: أعطني يا محمد، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رضي الله عنه ـ قَالَ:(جَاءَ أَعْرَابِيُّ إِلَى النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَعْطِنِي، فَإِنَّكَ لا تُعْطِي مِنْ مَالِكِ وَلا مِنْ مَالِ أَبِيكَ، وَأَغْلَظَ لِلنَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَوَثَبَ أَصْحَابُهُ، فَقَالُوا: يَا عَدُوَّ اللَّهِ، تَقُولُ هَذَا لِرَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ: عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ لَمَّا أَمْسَكْتُمْ، فَدَعَاهُ فَدَخَلَ بَيْتَهُ فَأَعْطَاهُ، فَقَالَ: أَرَضِيتَ؟” قَالَ: لا، ثُمَّ أَعْطَاهُ أَيْضًا، فَقَالَ: أَرَضِيتَ؟” قَالَ: لا، ثُمَّ أَعْطَاهُ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: أَرَضِيتَ؟” قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاخْرُجْ إِلَى أَصْحَابِي فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّكَ قَدْ رَضِيتَ، فَإِنَّ فِي قُلُوبِهِمْ عَلَيْكَ شَيْئًا) (المصدر: أمثال الحديث لأبي الشيخ الأصبهاني)، وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال:(كنت أمشي مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجذبه جذبة شديدة، حتى نظرت إلى صفحة عاتق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد أثرت به حاشية الرداء من شدة جذبته، ثم قال: مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء) (رقم الحديث: 3149)، وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال:(كنت أمشي مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعليه رداء نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجبذه بردائه جبذة شديدة، نظرت إلى صفحة عنق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد أثرت بها حاشية الرداء، من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فضحك، ثم أمر له بعطاء) (رقم الحديث: 1057).
ـ تعامله مع الأعرابي الذي بال في المسجد، فعن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه:(أنّ أعرابيًا بال في المسجد، فقاموا إليه، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): لا تُزرموه، ثم دعا بدلوٍ من ماء فصُب عليه) (رواه البخاري، رقم الحديث :6025)، ومعنى لا تزرموه: أي لا تقطعوا عليه بوله.
ـ تعامله مع الأعرابي الذي أراد قتله، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ ـ رضي الله عنهما ـ قَالَ: (غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ غَزْوَةً قِبَلَ نَجْدٍ فَأَدْرَكَنَا رَسُولُ اللَّهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ في وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاه، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَعَلَّقَ سَيْفَهُ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، قَالَ: وَتَفَرَّقَ النَّاسُ في الوادي يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ رَجُلًا أتاني وَأَنَا نَائِمٌ، فَأَخَذَ السَّيْفَ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي، فَلَمْ أَشْعُرْ إِلاَّ وَالسَّيْفُ صَلْتًا في يَدِهِ، فَقَالَ لي: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ. ثُمَّ قَالَ في الثَّانِيَةِ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ. قَالَ فَشَامَ السَّيْفَ فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ) (رواه البخاري، رقم الحديث: 2910) و(مسلم، رقم الحديث: 843)، ومعنى العضاه: كل شجر يعظم وله شوك، ومعنى صلتًا: أي مسلولًا من غمده، ومعنى شام السيف: أي أدخله في غمده، وفي مسند أحمد: فَقَالَ الرجل للنبي ـ صلى الله عليه وسلم: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ” اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِه، فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟” قَالَ: كُنْ كَخَيْرِ آخِذٍ. قَالَ: أَتَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، قَالَ: لاَ، وَلَكِنِّى أُعَاهِدُكَ أَنْ لاَ أُقَاتِلَكَ، وَلاَ أَكُونَ مَعَ قَوْمٍ يُقَاتِلُونَكَ. فَخَلَّى سَبِيلَهُ. قَالَ: فَذَهَبَ إِلَى أَصْحَابِهِ، قَالَ: قَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ خَيْرِ النَّاسِ) (رقم الحديث: 14401)، وهناك درس عملي للدعاة يقدمه الحسن والحسين سبطا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فذات يوم مرَّ الحسن والحسين سبطا رسول الله (صلى الله عليه سلم) على رجل شيخ لا يحسن الوضوء، فأرادا أن يعلمانه الوضوء، فما كان منهما إلا أن تقدما إليه وطلبا منه أن يكون حكمًا بينهما، أيهما يحسن الوضوء أفضل من الآخر، فتوضأ كل منهما والشيخ ينظر إليهما، ثم قال لهما الشيخ، أنتما تحسنان الوضوء، وأنا لا أحسن الوضوء، فتعلم منهما، وتحقق المطلوب، من غير إساءة للشيخ، ومن غير إحراج له.
.. وللحديث بقية.

يوسف السرحني

إلى الأعلى