الأحد 18 نوفمبر 2018 م - ١٠ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / العناية بالصحة مشاهد ودلائل (1 ـ 4)

العناية بالصحة مشاهد ودلائل (1 ـ 4)

مساعد المفتي العام للسلطنة:
الإسلام اهتم بالصحة وجعله من الأولويات لأن فيه صلاح وطمأنينة للإنسان

في القرآن الكريم ألفاظ للقوة وهذه دلالات واضحة على الصحة

إعداد ـ احمد بن سعيد الجرداني:
يتفق العقلاء في العالم كله على ضرورة الصحة وأنها من الضرورات الخمس في هذه الحياة، لكن حظوظهم في العناية بها تتفاوت، فمنهم من يُغَلِّبُ عليها الرغبات والشهوات والأهواء فيأكل ويشرب ما يضر بصحته ويتلف عقله، وهناك من يبالغ في المحافظة عليها إلى الحد الذي يحرم فيه نفسه من بعض المأكولات الطيبة، أما الإسلام فقد وضع ميزانا عدلا في هذا الموضوع، وأمر الناس أن لا يسرفوا في الأكل والشرب، وجاء بنظام عجيب في المحافظة على الصحة.
وعنهذا النظام سنتعرف عليه بإذن الله تعالى من خلال ما قاله فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة في برنامج )دين الرحمة( الذي بثته إذاعة القرآن الكريم قبل سنوات فمع الموضوع ..

حول تعريف الصحة واهتمام الإسلام في هذا الجانب يقول فضيلة الشيخ الدكتور كهلان الخروصي: موضوع الصحة والعناية بالصحة من الموضوعات التي اهتم بها التشريع الإسلامي تأطيرا وضبطا وتنظيما لأجل تحقيق كل ما يؤدي بهذا الإنسان إلى صلاحه في الدنيا ذلكم الصلاح الذي يمكنه من عبادة الله عز وجل وعمارة هذه الأرض بحسب ما يرضي الله سبحانه وتعالى، والعيش فيها بأمان واستقرار وطمأنينة، فكان من الأولويات التي وجه إليها التشريع الرباني أحكامه وتعاليمه ما يتعلق بالصحة، وقد لا ينتبه – فعلاً – كثير من الناس إلى أن هناك منزلة أعطيت للصحة في التشريع الإسلامي في الآيات القرآنية أو في أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ويحسبون أن موضوع الصحة والاهتمام بالصحة إنما هو أمر فطري يعود إلى عادات الناس أكثر من أن يكون عبادة ومن أن يكون هناك تأصيل شرعي لهذا الموضوع، ونحن هنا اليوم نحاول أن نبين لهم بعض أو أن نلفت انتباههم إلى ما يعرفون في الحقيقة، ولكن نريد أن نركز على هذا الذي يتميز به التشريع الإسلامي ونحن نتحدث عن دين وسطي يُعنى بكل جوانب هذا الإنسان العقلية والمادية والروحية والعاطفية .. وغيرها، ويوجهها توجيهاً لكي تكون على صلاح واستقامة؛ فلذلك نريد أن نتعرف على هذه الجوانب مما يتعلق بالصحة.
وهنا سوف نقرّب أيضاً الموضوع وسوف نتعرض للصحة البدنية بمفهومها الذي يعرفه الناس، كما أننا سوف نتعرض أيضاً للجانب المعنوي من الصحة أو للصحة النفسية – إن جاز التعبير- مع مرور سريع للجانب العقلي (للصحة العقلية) أيضا وما ورد من تشريعات في كتاب الله عزوجل وفي سنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) القولية والفعلية والتقريرية مما يتصل بهذه الجوانب كلها وبالتالي يتبين أيضا الصلة بين هذا الموضوع وبين الإطار العام للبرنامج الذي هو (دين الرحمة).
فمن رحمة الله عز وجل بعباده أن ترفق بهم في هذا التشريع ودعاهم إلى ما فيه صلاح أحوالهم، ولو قورن وضع البشرية بشكل عام بعد بعثة رسولنا محمد (صلى الله عليه وسلم) بما كان عليه الوضع قبل البعثة (كل البشرية بمختلف المعتقدات والأديان التي ينتسبون إليها والثقافات) لوجدنا أن هناك تأثيرا لهذا الدين الحنيف على مستوى معتنقي سائر المعتقدات والأديان فيما يتعلق بجانب العناية بالصحة.
وعن منزلة الصحة في الإسلام وأهمية العناية بها وأين نجد هذا الأمر، وبأي صورة؟ يجيب فضيلة الشيخ قائلاً: نجد ما يتعلق بالعناية بالصحة في كتاب الله عز وجل من خلال ألفاظ قد لا ينتبه الناس إلى أنها تدل على الصحة، بينما هي في حقيقتها تدل على القوة البدنية .. تدل على الصحة البدنية التي هي في ذاتها – لا ريب – نعمة من نعم الله عز وجل، فإذاً هذا هو المدخل الأول ولذلك امتن أو ذَكَّر بعض الأنبياء أقوامهم بهذه المنة عليهم، كما في سورة هود عندما خاطب نوح – عليه السلام – قومه وقال:(وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ)، فهو يذكرهم بنعمة الله عز وجل عليهم أن جعلهم أقوياء، أي – أصحاء في أبدانهم – وثم بعد ذلك مع تذكيرهم بهذه النعمة يبين لهم بما سوف يؤول إليه أمرهم حينما يستقيمون على منهج الله عز وجل ويستغفرونه ويتوبون ويؤمنون بالرسل فلذلك يقول:(وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ)، فكلمة (قوة) نقرأها نحن في كتاب الله عز وجل ولا ننتبه في كثير من الأحيان إلى دلالاتها ومضامينها، فهي دلالة صريحة يكاد تكون أصرح من موضوع الصحة؛ لأن غاية أو أعلى سلم الصحة إنما يكون في القوة .. حينما يكون المرء قوي ذكرا كان أو أنثى فهذا يعني أنه صحيح في بدنه، وهذا المعنى أيضا استخدم في القرآن الكريم في سورة الأنفال حينما خاطب الله عز وجل هذه الأمة بقوله :(وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ ..).
هذا الإعداد أو هذا الاستعداد الذي أمر الله سبحانه وتعالى به في هذه الآية الكريمة عُبِّرَ عنه بهذا المصطلح (مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ..)، ولا يمكن أن تتأتى القوة دونما قوة لدى الأفراد وصحة في أبدانهم ولذلك استخدمت هذه الكلمة في سياق التنكير للدلالة على عمومها كل أنواع القوة.
ويوضح فضيلة الشيخ كهلان عن القوة قائلاً: كل أنواع القوة نعم (منها الصحة البدنية التي هي – كما قلت – ملاك ما يمكن أن يتحصل عليه الفرد والمجتمع من قوة)، ثم حينما نقرأ أيضا قول الله سبحانه وتعالى في قصة موسى – عليه السلام:(قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ، فلفت انتباهها قوة سيدنا موسى – عليه السلام – وكانت من ضمن الخصال التي نصت على ذكرها حينما خاطبت شعيب – عليه السلام – أو حينما خاطبت أباها – عليه السلام – فبينت أن في كونه قويا سببا لأجل استئجاره مع كونه أمينا مما يعني أن الإنسان يُقَدِّرُ هذه الخصلة في الناس، والقوة لا تتأتى إلا – مرة أخرى كما قررنا – إلا لمن كان صحيح البدن، فإذاً حيثما نجد كلمة القوة فإنها لا شك تدل في مضمونها على موضوع الصحة ناهيك بعد ذلك للتوجيهات المباشرة التي جاءت في كتاب الله عز وجل مما يتعلق بما فيه تحقيق أو بما فيه ما يحقق لهذا الإنسان أن تتأتى .. تتحصل له القوة التي يحتاج إليها .. الصحة التي يحتاج إليها.
خذ على سبيل المثال ما يتعلق بأحكام الطهارات الواردة في كتاب الله عز وجل، أي – هذا التنزه من الخبائث ومن النجاسات الذي جاءت به شريعتنا الحنيفية السمحاء إنما هو سبب رئيس في أن تتحصل للناس الصحة والقوة لأن أغلب أسباب الأمراض إنما تكون بسبب إهمال الصحة كما يقرر العلماء ليس في هذا العصر فقط وإنما منذ عصور.
خذ على سبيل المثال ما أشرت إليه أيضا – بارك الله فيكم – في المقدمة من موضوع الطيبات التي أباحها الله سبحانه وتعالى لعباده مع أمره بأن يتوسطوا فلا إسراف ولا تقتير، بل إن الله عز وجل نعى على أولئك الذين يحرمون طيبات ما أحل الله تعالى لهم، وأيضا التشريعات النبوية التي جاءت في هذا السياق فيما يتعلق بالمأكل والمشرب .. فيما يتعلق بالبعد عن الإسراف في كل شيء حتى في النوم ، نحن نتذكر حديث النفر الذي قال منهم من قال:(أما أنا فأقوم الليل ولا أرقد، وقال الثاني: أما أنا فلا أتزوج النساء أبدا، والثالث قال: أصوم الدهر ولا أفطر)، فالنبي (صلى الله عليه وسلم) اشتد غضبه على هؤلاء إلى حد أنه قال:(فمن رغب عن سنتي فليس مني).
.. وللموضوع بقية.

إلى الأعلى