السبت 22 سبتمبر 2018 م - ١٢ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في الحدث : في الصورة النمطية للآخر

في الحدث : في الصورة النمطية للآخر

طارق أشقر

أرسل لي أحد أعز الزملاء مقطوعة درامية قصيرة جدا لكنها غنية بالمعاني والدلالات عبر الواتساب تحمل عنوان ” لاتحكم على الكتاب من غلافه ” محتواها أن أحد المسافرين الآسيويين كان مرتديا زيه القومي المكون من وزار وقميص فقط، تم توقيفه بأحد المطارات الغربية طالبا منه رجل الأمن بذلك المطار جواز سفره بتعاليٍ فج، بل تطور مشهد التعامل المقرف الناتج عن الانطباع المسبق دون معرفة كنه الآخر، تطور لدرجة إجبار ذلك المسافر على خلع ملابسه جميعها من أعلاها إلى أدناها.
وقبل اكتمال التحقيقات، لاحظ الآسيوي على الجانب الآخر من المكتب المحتجز فيه سقوط فتاة من مواطني ذلك البلد الغربي وهي تسقط على الأرض نتيجة شفطة أو جرعة سريعة من كوب قهوة كانت تحتسيه في ذلك المطار، فغلبت على الغريب الآسيوي مهنيته فقفز متحديا محتجزيه معلنا عن مهنته بأنه طبيب وعلى استعداد لمساعدة تلك الفتاة، فقام بعملية بسيطة وسريعة بحلق الفتاة المغمى عليها، منقذا حياتها، فما كان لمحتجزيه إلا أن تقدموا له بالاعتذار مرحبين به في بلادهم.
الرجل لم يترك تلك اللحظة أن تمر دون أن يلقن محتجزيه درسا في كيفية التعامل مع مع الآخر بعيدا عن الصور النمطية المسبقة، وذلك بقوله: لانحكم على الكتاب من عنوانه “، فهي عبارة تحمل الكثير من الدلالات والدروس التي ينبغي على المجتمعات الإنسانية وخصوصا في الغرب الأخذ بمعانيها عند النظر إلى الآخر خصوصا المهاجرين الذين وجدوا أنفسهم مجبرين إلى ترك بلدانهم على أمل أن تكون جغرافية الهجرة أفضل حالا من حيث أتوا، غير أن السائد في الغرب حاليا والذي كرسه الإعلام الغربي أيضا، هو النظرة الغنية بالريبة والحذر والشك في الآخر وفق صورة نمطية راسخة في ذاكرة المجتمعات الغربية بأن المهاجرين من الدول النامية هم دائما مصدر خطر ينبغي أخذ الاحتياطات اللازمة لتجنب مخاطرهم وشرهم.
ولم تمر ساعات على تلك المقطوعة الدرامية على الأقل بالنسبة لي كوني شاهدتها لأول مرة ولربما تكون قديمة منذ تاريخ إعدادها وتوزيعها على وسائل التواصل الاجتماعي، غير أن قوة رسالتها تظل ضامنة لنفسها الاستمرارية وقتما تم تبادلها وإعادة إرسالها بين الناس، حيث عزز من رسالة تلك المقطوعة القصيرة أيضا ماقام به المهاجر الأفريقي محمود مامادو غاساما الذي عرف إعلاميا باسم الرجل العنكبوت، حيث منحه الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون بداية الأسبوع الجاري الجواز الفرنسي لانقاذه طفل كان على وشك السقوط من الطابق الرابع بالعاصمة الفرنسية باريس.
كلا الموقفين، وهما موقف الطبيب الآسيوي بأحد المطارات الغربية، وموقف المهاجر الأفريقي في باريس، يؤكدان على ثيمة أخلاقية غنية الدلالات، وهي أن ” الآخر ليس بالضرورة أن يكون شريرا … بل ينبغي علينا فقط ان نتعقل في إصدار الأحكام على غيرنا من الذين لانعرف كنههم، وأن نضع حاجزا قويا بيننا وبين خصلة إصدار الأحكام الإطلاقية على الآخرين، لأنها خصلة بالضرور ستشكل عائقا امام انسيابية العلاقات الإنسانية بين البشر. لذلك علينا أن نمنح انفسنا دائما فرصة التعاطي مع الآخر ونحن مستندين في ذلك على بديهية أن الإنسان ميال بفطرته إلى الخير دون الشر طالما هدفه الفطري أذلي جبل عليه هو الحرص على البحث عن مايضمن له العيش بسلام في الأرض.
كما ان كلا الموقفين يعززان من رسالة أخرى مفادها أن المهاجرين الجدد إلى أوروبا وأميركا يمكنهم أن يكونوا اضافة “قيمية وأخلاقية ” للمجتمعات الأوروبية والأميركية ، طالما أنهم ينتمون بالدرجة الأولى بني البشر وأنهم نتاج تنشئات اجتماعية لها قيمها الإنسانية التي مهما اختلفت دياناتها ومنطلقاتها بالضرورة أنها لاتخلو من منظومات قيمية إذا أتيحت لها الفرصة ستفيد المجتمعات الجديدة التي تحتوي الآخر كإنسان قابل لكي يعطي ويفيد المجتمع.

طارق أشقر
من أسرة تحرير الوطن
ashgartariq@yahoo.com

إلى الأعلى