السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / عن “القتل” و”السياسة”

عن “القتل” و”السياسة”

جواد البشيتي

التطور الحضاري والإنساني والديمقراطي للمجتمعات لم يبلغ بعد، في قيمه الأخلاقية والحضارية والإنسانية، وفي قوانينه وتشريعاته وشرائعه، مرحلة “التحريم المطلق لقتل النفس البشرية”؛ وربما لن يبلغها أبدًا، فتطور المجتمع البشري عبر التاريخ أثبت وأكد أنَّ “القتل”، أي قتل الإنسان لأخيه الإنسان، ضرورة وحاجة ووسيلة للارتقاء الاجتماعي والحضاري، فرأَيْنا كيف أنَّ البشر يعكفون في كل مرحلة من مراحل تطورهم الاجتماعي والتاريخي على التطوير الأخلاقي والقانوني والفلسفي لمفهوم وظاهرة “قتل الإنسان لأخيه الإنسان” حتى أنَّ بعض أعمال القتل تُحَوَّل في الثقافة إلى فعل يعبِّر عن “السمو الأخلاقي والإنساني والفكري” لمرتكبه.
هل قتل الإنسان لأخيه الإنسان حلال أم حرام، مشروع أم غير مشروع، جائز أم غير جائز، جريمة أم مأثرة..؟ أناس كثيرون، ومنهم رجال فكر، يعتقدون أنَّ إجابة هذا السؤال تماثل إجابة السؤال الآتي: “هل المطر مفيد أم ضار؟”. وغني عن البيان أنَّ المطر “مفيد إذا..”، و”ضار إذا..”، فلا جواب مطلقًا عن هذا السؤال؛ وهكذا أقاموا الدليل المنطقي والعقلاني على أنَّ الأمر الأهم هو توضيح متى يكون “القتل” عمل خير، ومتى يكون عمل شر. وبما يتفق مع هذه النظرة، اخترع البشر كل الأخلاق التي يحتاجون إليها من أجل تبرير قتل الإنسان لأخيه الإنسان.
لقد أثارت الحرب خلافًا لم ينتهِ بعد في شأن الموقف الأخلاقي منها؛ ولكن الخلاف أفضى إلى اتفاق على بعض الجوانب من هذه القضية المثيرة للجدل، فاتفق كل المختلفين تقريبا على أنَّ “الدفاع عن النفس” يُعدُّ عملا مشروعا؛ لكن هذا الاتفاق كان يتحول، في سرعة، إلى خلاف ما أن يجد الناس أنفسهم مضطرين إلى تحديد موقف من قضية واقعية من القضايا التي يشملها “الحق المشروع في الدفاع عن النفس”؛ فالمجرم أو السارق، مثلا، يمكن أن يقتل في أثناء دفاعه عن نفسه، ثم أنَّ الذي يدافع عن نفسه قد يكون شخصا غير جدير بالحياة بسبب اقترافه جرائم عديدة.
“الحق المشروع في الدفاع عن النفس” لا معنى له إذا ما نظرنا إلى بعض نتائج وعواقب ممارسته على أنها جريمة يُعاقَب عليها الذي اقترفها وهو يدافع عن نفسه، فالدفاع عن النفس قد يُرْغِم المدافع على ارتكاب فعل القتل.
وغني عن البيان أنَّ كثيرا من الناس يفهمون فعل القتل الذي يرتكبون، والذي ننظر إليه على أنه “جريمة”، على أنه جزء من ممارستهم لحقهم المشروع في الدفاع عن النفس. إنَّ “القاتل”، وفي وجه عام، لا يقتل من أجل القتل، ولكن دفاعا عن النفس، التي قد يشق عليه تمييزها من مصالحه وامتيازاته.
مِنْ ذلك، يمكن ويجب أن نخلص إلى أنَّ مصالحنا الواقعية هي، وحدها، التي تحدد موقفنا الأخلاقي من فعل القتل، فالقتل حلال وجائز ومشروع ومأثرة إذا كان فيه خدمة لمصالحنا الواقعية، التي بعضها من النوع الذي يفرض علينا تمويهه بالأخلاق والقيم الإنسانية والديمقراطية والمبادئ الأيديولوجية، كما يفرض علينا تسليحه بعصبية ما، فالذي تدعونا مصالحنا الواقعية إلى قتله ينبغي لنا أن نجعل له صورة أخلاقية وأيديولوجية، تَستجمِع لقتله تأييد الناس، وتُظهره على أنه فعل حميد، يستحق فاعله مكافأة ما!
وفي عالم السياسة حيث الحرب الوسيلة أو الأداة الفضلى لتغيير الواقع، يشق على المرء رؤية السبب أو الدافع الحقيقي للحرب، فهو، عادة، يُحتجب بحجاب أيديولوجي، فلا يُدرَك لا بالبصر ولا بالبصيرة؛ أمَّا السؤال عن سبب الحرب فلا يُجاب عنه إلا بأجوبة وهمية يأنس إليها الناس، الذين ينفرون، بتأثير عصبية ما، أو تضليل أيديولوجي، عن الأجوبة الواقعية، التي قد يُنظر إلى أصحابها على أنهم حمقى.
“الحرب” هي “القتل”. هي “القتل السياسي”، أي قتل الناس، توصُّلا إلى “هدف سياسي”. و”السياسة” هي، في المقام الأول، “المصالح الاقتصادية”، التي تُترجَم بأهداف سياسية. و”الهدف السياسي” إمَّا أن نصل إليه بوسيلة “الإقناع”، أي الدبلوماسية، وإمَّا أن نصل إليه بوسيلة “الإكراه”، أي الحرب. وقد بيَّن كلاوزفيتس كيف تتصل الحرب بالسياسة، فتوصُّلًا إلى “الهدف السياسي” نجرِّب، أولا، “الإقناع”، أي إقناع “الخصم” بجدوى تلبيته لمطالبنا، فإذا اقتنع نجحت “الدبلوماسية”؛ أمَّا إذا عَنَدَ وبالغ في العصيان فلا بد من التحوُّل عن “الإقناع”، أي الدبلوماسية، إلى “الإكراه”، أي الحرب.
إنَّ “العجز الدبلوماسي” هو الذي يولِّد ويشدد الحاجة إلى “القتل السياسي”، أي الحرب. وهكذا يمكن النظر إلى “السياسة” على أنَّها “فن القتل الجماعي (للبشر)”.

إلى الأعلى