الخميس 20 سبتمبر 2018 م - ١٠ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / العناية بالصحة مشاهد ودلائل (2 ـ 4)

العناية بالصحة مشاهد ودلائل (2 ـ 4)

طمأنينة القلب بذكر الله والتزام أوامره من الأسباب التي تضمن للناس سلامتهم في أبدانهم

ـ الأدواء النفسية كالحسد والحقد والغل تؤثر على قلب الإنسان وتنهك صحته

إعداد ـ احمد بن سعيد الجرداني:
يتفق العقلاء في العالم كله على ضرورة الصحة وأنها من الضرورات الخمس في هذه الحياة، لكن حظوظهم في العناية بها تتفاوت، فمنهم من يُغَلِّبُ عليها الرغبات والشهوات والأهواء فيأكل ويشرب ما يضر بصحته ويتلف عقله، وهناك من يبالغ في المحافظة عليها إلى الحد الذي يحرم فيه نفسه من بعض المأكولات الطيبة، أما الإسلام فقد وضع ميزانا عدلا في هذا الموضوع، وأمر الناس أن لا يسرفوا في الأكل والشرب، وجاء بنظام عجيب في المحافظة على الصحة.
وعن هذا النظام سنتعرف عليه بإذن الله تعالى من خلال ما قاله فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة في برنامج )دين الرحمة( الذي بثته إذاعة القرآن الكريم قبل سنوات فمع الموضوع ..

(وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ) .. ومن هذا المنطلق يكشف لنا فضيلة الشيخ عن بعض الجوانب المتعلقة بالصحة في مواضع أخرى من القرآن الكريم؟ حيث يقول: قد سبق أنا ذكرت بعض الآيات القرآنية التي وردت فيها كلمة القوة للدلالة على الصحة البدنية، وهي أيضاً توجد آيات أخرى غير هذه الآية التي أنصتنا إليها من سورة (هود):(وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ)، على أن اللافت الذي أريد أن أضيفه في هذا السياق مع ما تقدم من بيان بعض الآيات القرآنية أيضا التي وردت فيها كلمة القوة للدلالة على الصحة أو للإشارة إليها على أن مما يحقق هذه القوة للناس جملة من الأسباب، وهي ليست كلها أسبابا مادية كما يظن كثير من الناس.
لننظر في السبب والنتيجة (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْه ..) فإذاً السبب هنا أو المطلوب منه هو الاستغفار والتوبة إلى الله سبحانه وتعالى، فماذا تكون النتيجة بعد ذلك؟.
(يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُم ..) فإذاً ليس كل سبب القوة مادياً، بل إن من أسباب القوة أي: إن أردنا أن تكون (الصحة) هو تلك الأسباب المعنوية، وسوف نتعرض أيضا لمزيد بسط حول الجانب المعنوي لكن لازلنا حول جوانب الصحة المعنوية أو النفسية، لكن مازلنا في هذه النقطة أن الاطمئنان .. طمأنينة القلب بذكر الله عزوجل وبالتزام أوامره سبحانه وتعالى والكف عن نواهيه هو من ضمن الأسباب التي تضمن للناس سلامتهم في أبدانهم، والتزام الواجبات والكف عن المحرمات، وهنا يستحضر الناس المحرمات منها المأكول أو المشروب أو كل ما حرم الله سبحانه وتعالى، حتى الأقوال والأفعال وسوف نأتي إلى أن حتى الأدواء النفسية الحسد والحقد والغل هذه أدواء أمراض تؤثر على قلب هذا الإنسان وبالتالي فهي تنهك له صحته، فالنار كما يقول الشاعر: (فالنار يأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله)، فحينما شبه الحسد بالنار فأثرها إنما يكون على صحة هذا الإنسان وسلامته، فإذاً هذه المعنويات أيضاً هي مما يرجع خيرها ونفعها على الصحة البدنية للناس ـ كما تشير هذه الآية الكريمة ـ وهذا المعنى أيضا حينما نتذكر أيضا وصية عمر بن الخطاب ـ رضي الله تعالى عنه ـ لسعد ابن أبي وقاص (قائد جنده) حينما حذره وجنده من اقتراف المعاصي لما تحدثه المعاصي من خلخلة (قد تكون هذه الخلخلة في بدايتها معنوية نفسية لكنها بعد ذلك تؤثر حتى مادياً) فلذلك ينبغي للناس أن يدركوا أن في تعاليم الإسلام رحمة بهم، وأنها تحقق لهم صحة في أبدانهم، وسلامة لهم في عقولهم، وطمأنينة لهم في نفوسهم، هذا فضلاً عن الأوامر والتوجيهات التي جاءت مباشرة في توجيه الناس نحو وسائل تتعلق بالصحة.
والقوة حينما توجد فهي نعمة من الله عزوجل والنعمة تزاد بالشكر، والنعمة ينبغي أن يكون شكرها باستخدامها فيما وهب الإنسان لها من أجر، وهي ـ كما تقدم وكما يعرف الناس ـ هي عبادة الله سبحانه وتعالى، وعمارة هذه الأرض والصلاح والإصلاح فيها.
وعن جانب الصحة البدنية يقول فضيلة الشيخ كهلان: سوف أعمد هنا إلى أن أذكر النص الشرعي .. الدليل الشرعي أولا: حديث:(إن لجسدك ـ أو في رواية لبدنك ـ عليك حقّاً) هذا صريح يضاف إلى ما تقدم من موضوع النفر الثلاثة الذين ذكرنا شأنهم وذكرنا ما قاله رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من هديه وسنته، فقوله:(إن لجسدك عليك حقّاً) هذه قاعدة قررها نبي مرسل من عند الله سبحانه وتعالى، فهي حديث نبوي،أي: صدرت هذه القاعدة في جو ديني إيماني وليست هي قاعدة لمن يريد أن يعتني فقط بجوانب مادية وبصحة وبعالم الأمراض والطب، هي من نبي مرسل، فهي تشريع موافق لفطرة هذا الناس، أو هو هذا التشريع رد للناس إلى فطرهم التي خلقهم الله سبحانه وتعالى عليها: (إن لجسدك عليك حقّاً)، وهذا يعني أن يتداوى المريض، وأن يستريح المتعب، وأن يتنظف المتسخ، وأن يأكل الجوعان، وأن يشرب العطشان، وأن يحافظ على صحته .. على جسده بكل ما أباحه الله سبحانه وتعالى من وسائل، مع ذلك نجد أن ـ كما قلت ـ هناك ما يتعلق بتشريعات خاصة كما هو الشأن في موضوع النظافة فقول الله سبحانه وتعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ).
فهذه المنزلة التي رُفع إليها المتطهرين ـ الطهارة البدنية والطهارة المعنوية أيضاً ـ هي منزلة رفيعة أن ينالوا شرف محبة الله سبحانه وتعالى لهم، وأن يقترنوا بالتوابين، وسبحان الله هذا الاقتران مرة أخرى كما رأيناه في سورة هود (عليه السلام) نجده مرة أخرى في آية سورة البقرة، وهذا المعنى من هذه المنزلة التي تبوأها المتطهرون أيضا ملحوظة في سورة التوبة في قوله تعالى:(لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ)، ثم بعد ذلك لنأتي إلى أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وكما قلت أنا أختصر هنا وأكتفي بذكر هذه الأدلة الشرعية لأن التعليق عليها وشرحها يحتاج إلى وقت ومازلنا نريد أيضا مشاركات من الإخوة والأخوات خاصة في هذا الموضوع )لكن لنعتمد مرة أخرى حديثا يمثل قاعدة .. حديث: (من أصبح معافى في بدنه، آمنا في سربه، معه ـ أو عنده ـ قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها).
ابتدأ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بقوله:(.. معافى في بدنه ..)، فإذن المعافاة في البدن هي الصحة التي نتحدث عنها، وهذا المعنى أيضاً نجده في سورة لإيلاف قريش في قوله تعالى:(.. أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ)، فحينما يمتن الله سبحانه وتعالى على عباده بسعة الرزق وبالعيش الرغيد الذي يعيشون فيه فإن هذا لا شك يظهر أثره على الناس أنفسهم، وأيضاً من الأدلة التفصيلية التي وردت في هذا السياق قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في حديث أبي هريرة الشهير:(خمس من الفطرة)، وعدد (صلى الله عليه وسلم):(تقليم الأظفار، وقص الشعر ونتف الإبط، وحلق العانة، والاختتان).
إذن هذه أمثلة، وفي رواية أخرى:(عشر من الفطرة) وفيها: السواك، والاستنشاق بالماء، وغسل البراجم، الاستنجاء بالماء، إضافة إلى ما تقدم في الحديث السابق.
هذه التوجيهات التي تناولت حتى هذه الأمور ـ كما قلت ـ التي قد يظن الناس أنها أمور فطرية لكن هذا الدين موافق للفطرة فجاءت لتقليم الأظافر وإزالة الشعر في الأماكن التي أمر الشرع أن يزال منها .. الاستنجاء .. التنظف، حتى كيفية الاستنجاء بينها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) .
لكن لننتقل إلى موضوع لا يقل أهمية عن جانب النظافة على المستوى الشخصي وعلى مستوى الأفنية والبيوت، النهي عن الإسراف في الأكل (وهو قاعدة جليلة مما يتعلق بإقامة أود الإنسان على مقتضى قواعد الصحة والعافية) قوله تعالى:(يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)، وورد عند الترمذي الحديث الشهير:(ما ملأ آدمي وعاء شرّاً من بطنه)، ثم قال:(بحسب ابن آدم أكيلات ـ أو لقيمات ـ يقمن صلبه ..) إلى آخر الحديث.
.. وللموضوع بقية بإذن الله تعالى.

إلى الأعلى