الخميس 15 نوفمبر 2018 م - ٧ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / نجاح الدعوة (6)

نجاح الدعوة (6)

درسان عمليان للدعاة يقدمهما الداعية الناجح أبو الحر علي بن الحصين: بداية من المناسب أن نعطي نبذة مختصرة عن هذا الرجل لربط الخلف بالسلف، لأن من لم يكن له رصيد حضاري إنساني من الرجال يكون فقيرًا بين الشعوب، هزيلًا بين الأمم، يمشي مطأطئ الرأس بين الناس.
أبو الحر هو علي بن الحصين بن مالك بن الخشخاش بن الحارث العنبري المكي، عماني الأصل، رحل إلى البصرة حاضرة العلم والعلماء آنذاك؛ طلبًا للعلم كغيره من العمانيين، وهناك تتلمذ على يد التابعي الكبير الإمام جابر بن زيد، وعاصر الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، ثم انتقل إلى مكة المكرمة، فعاش فيها لنشر الدعوة، فهو من كبار رواد الحركة الإباضية في الحجاز، وأبو الحر عالم وداعية وقائد، عُرف بالتقوى والورع، وعُرف بالبذل والسخاء، كما عُرف بالتروي وحسن الرأي وبُعد النظر، وكان ضمن أعضاء الوفد الإباضي الستة الذين أرسلهم الإمام أبو عبيدة ـ رحمه الله تعالى ـ لمقابلة الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز ـ رضي الله عنه ـ بعد أن وُلي الخلافة لإبلاغه مواقفهم من قضايا الأمة، وهم: جعفر بن السماك العبدي وكان رئيس الوفد، وأبو الحر علي بن الحصين العنبري، والحتات بن كاتب، والحباب بن كليب، وأبو سفيان قنبر البصري، وسالم بن ذكوان الهلالي ـ رحمهم الله تعالى.
يعتبر أبو الحر من أكبر الدعاة إلى الله بعلمه وماله، فقد اتخذ له مجلسًا علميًا دعويًا للعلم والتذكير والوعظ والإرشاد ينعقد كل اثنين وخميس من كل أسبوع، وينعقد كلما دعت الحاجة ليلاً أو نهاراً في أي يوم لتدارس المستجدات والوقائع.
هذه هي دعوته بعلمه، أما دعوته بماله فقد كان مثلًا أعلى في العطاء والبذل والسخاء، فكانت غلة ماله في البصرة تأتيه سنويًا على شكل نُقْرة واحدة ذهبًا، والنُّقْرةُ السبيكة من الذهب، نصفها يوزعه على فقراء المسلمين، وربعها لنفقته وأهله، وربعها الآخر يبقيه لمعونة من يمر به من إخوانه المسلمين من ذوي الحاجة.
فالدرس الأول: كان لأبي الحر فتى يلازمه يقوم بخدمته، ويتولى قضاء حوائجه. بعثه ذات يوم لبيع سبيكة الذهب التي وصلته من البصرة ليقسم ثمنها، فذهب الفتى إلا أنه تأخر على خلاف عادته، فلما رجع سأله أبو الحر عن سبب تأخره، فقال الفتى: إن السبيكة قد ضاعت، فقال أبو الحر: في الله خلَف من كل هالك، ولم يسأله عن شئ، فخرج أبو الحر إلى المسجد، وفي الطريق مرَّ على صائغ، ورأى السبيكة موضوعة بين يديه، فعرفها، فسأله عنها، فقال الصائغ: قوم من بني مخزوم دفعوها إلىَّ أصوغها لهم حليًا، ثم مرَّ عليه ثانية، فقال الصائغ لأبي الحر: إني سألت القوم عن السبيكة، فقالوا: إن الفتى الذي يخدمك باعها لهم، فتثبت أبو الحر من القوم بنفسه، فلما حضر المشايخ مجلسه العلمي طلب منهم أن يكون أكثر حديثهم وكلامهم عن الأمانة وتعظيمها، ففعلوا، والفتى جالس يسمع ويتصبب عرقًا، فلما انتهى المجلس، وانفض الجمع، ولم يبق في المجلس إلا أبو الحر والفتى، تقدم الفتى إلى أبي الحر، وقال له: والله قد هلكتُ. قد خنتك في السبيكة، وأخبره بالحقيقة، وبكل ما حصل وحدث، فقال أبو الحر: الله أكبر. ذلك ما أردت، هي لله ولك، واستغفر الله، وبقي الفتى مع أبي الحر، وظل معه في أحسن حالاته.
والدرس الثاني: كان شاب يلازم المجلس العلمي لأبي الحر، وفجأة تخلف هذا الشاب عن الحضور، ففقده أبو الحر، وذهب إلى بيت الشاب؛ ليسأل عنه، فسأل أمه: ما شأن ابنك؟ قالت: أخذ في السفه، وترك ما كان عليه، ونفد ما في يده من مال، ولا يأتي البيت إلا ليلًا أو نصف النهار، فقال أبو الحر، سآتي إن شاء الله تعالى إلى زيارتكم نصف النهار عندما يكون أبنك في البيت، ففعل أبو الحر، وجاء ومعه ستة أثواب وثلاثمائة درهم، فستأذن، وأُذن له، فوجد الشاب في ناحية البيت منعزلًا؛ في حالة لا تُسر، فتقدم منه أبو الحر، وسأله عن حال، ثم قال له: ما منعك أن تأتينا؟ ما سبب تخلفك عن المجلس؟ نحن الذين أسأنا فيك، وقصرنا في حقك، وأهملنا أمرك، فخذ هذه الأثواب لك ثوبان، ولأمك ثوبان، ولأختك ثوبان، وخذ هذه الدراهم استعن بها على نفسك، فرجع الشاب، وحسنت حالته، واستقام أمره، وصلح حاله، فظل ملازمًا لأبي الحر حتى استشهد معه رحمهما الله تعالى.
.. وللحديث بقية.

يوسف السرحني

إلى الأعلى