الأربعاء 19 سبتمبر 2018 م - ٩ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شذرات من هدى القرآن

شذرات من هدى القرآن

الـصـوم وأثـره في النفـس (16)
الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلين وخاتم النـبيين وإمـام الـمتـقـين وحجـة الله رب العـالـمين وعـلى آلـه وأصـحابه أجـمعـين وعـلى الـتابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـلا زال الحـديث مـوصـولاً عـن الـصيام وأثـره في الـنفـس ، ويـقـول الله تعالى:(وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ) فـمـعـناهـا: كي لا تـفـوتـكـم أيام الـصـيام، انـظـروا إلى دقـة الأداء الـقـرآني في قـوله تعالى:(وَلِتُكَبِّرُوا اللَّـهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)، فالهـدايـة جـاءت مـن الله الـواحـد الأحـد، وإن الـعـبادة التي نـفـهـم أن فـيها مشـقـة هي الـصـيام ، والحـقـيـقـة أن الـصـيام فـيه راحـة الـبـدن وشـفـاء الـقـلـوب وسـمـو الـنفـس عـن الـركـون إلى حـضـيض الـشهـوات.
وبـعــد أن أعـانـه الله عـلى الـتـغـلـب، الـصـيام إيـماناً واحـتـساباً لله، إلا كـان مـن الـواجـب واللازم أن نـمتـثـل أمـر الله فـنـكـبّره تـكـبـيراً، لأن الله عـالـم أن عـبـده حـين ينـصاع لـحـكـم أراده الله مـنـه، وفـيه مشـقـة عـلـيه مـثـل الـصـوم ويتحـمـله ، وعـنـد ما يشـعـر الـعـبـد الـمـؤمـن بأنـه قـد انتهى مـن أداء الـصـوم، فإنه سـبحانه وتعالى عـالـم بأن الـعـبـد سـيـجــد بـعـد الـصـوم فـيه إشـراقاً وراحـة بـال، فـيسـتحـق أن يـشكـر الله الـذي كلـفه بالصـوم ووفـقه إلى أدائـه.
لأن مـعـنى:(وَلِتُكَبِّرُوا اللَّـهَ)، يـعـني أن تقـول:(الله أكـبر)، وأن تـشـكـره عـلى الـعـبادة التي كـنـت تعــتـقــد أنها تضـنـيـك وتتعـبـك، لـكـنـك وجــدت فـيها مـن التجـلـيات والإشـراقـات الـربانـية، مـمـا جـعـلـك تشـعـر بـتـلك الأريحـية، فـتـقـول: (الله أكــبر) مـن كل ذلك، و(الله أكـبر) لأنـه حـين يـعـطـيني، والله يعـطـي حتى في الـمنـع فأنت تأخـذ مـقـومات حـياتـك، ويعـطـيـك في صـوم رمضان ما هـو أكـثـر مـن مـقـومات الحـياة الـفـانـية، ويـعـدك للـحـياة الـباقـية، والاشـراقـات التي تتجـلى لك وتـذوق حـلاوة التكلـيف، تشـعـر أنـك في مـعـيـة الحـي الـقـيـوم، وإن كان قـد فـوت عـلـيـك فـرصة الاسـتمـتاع بنـعـمة فانية، فإنـه أعـطاك نـعـمة أكـثر منها وهــي الـنـعـمة الـباقـية رزقـك الخـلـود في الـجـنة، مـع الـذين أنـعـم الله عـلـيهـم، مـن الـنبيين والـصـديـقـين والـشهـداء والـصالحين وحـسن أولـئـك رفـيـقـاً.
وبـعـد ذلك فالـنسـق الـقـرآني، لـيس نـسـقاً مـن صـنع الـبشـر، فـنحـن نجـد أن نسـق الـبشـر، يـقـسـم الـكـتاب أبـواباً وفـصـولاً ومـواد كلـها مـع بـعـضـها، ويـفـصـل كل باب بـفـصـوله ومـواده، وبـعــد ذلك ينـتـقـل لـباب آخـر هــكـذا صنـع الـبـشـر.
لـكـن الله لا يـريـد الـديـن أبـواباً، وإنـما يـريــد الــديـن، وحـدة مـتـكاملة متـكاتـفة، في بـناء ذلك الإنسـان، فـيأتي بـعـد قـوله تعالى:(وَلِتُكَبِّرُوا اللَّـهَ) بـ(وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)، ومـعـنى ذلك أنـكـم سـتـرون ما يـجـعـلكـم تنـطـقـون بـ (الله أكـبر)، اسـتشـعـاراً لـعـظـمة الله، وأنه سـبحـانه أكـبر مـن كل شيء في الـوجـود، لأن الله أســدى إلـيـكـم جـمـيلاً.
وحـين يـوجـد الـصفاء بـين الـعـابـد الـذي هـو الإنـسان والـمـعـبـود الـذي هـو الله، ويـثـق الـعـابـد بان الـمـعـبـود لـم يـكـلـفه بـما لا يسـتـطـيع، ولـم يكـلـفه إلا بمـا فـيه مصـلحـة الـعـبـد وأن خـفـيت عـلى الـعـبـد، ويـعـود عـلـيه بالخـير وهـنا يحسن الـعـبـد طـنـه بـربـه، فـلـيـجـأ إلـيه في كل شيء، ويـفـوض أمـره إلـيه في كـل شـيء ويـسأله عـن كـل شـيء يـريـده لـمـا فـيه قـوام حـياته.
قال تعالى:(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (الـبـقـرة ـ 186)، وما دمـت قـد ذقـت حـلاوة مـا افـتـرض الله عـلـيـك وأعـطـاك مـن غــير طـلـب مـنـك، فـإن الله يـرد عـلـيـك فـيـقـول مخـاطـباً رسـوله (صلى الله عـلـيه وسـلـم):(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ)، ونـلحـظ أن: (إذا) جـاءت ولـم تأت (إن) لـما في الأدوات مـن الـمعـاني الـمخـتلـفة، وكـأن (إذا) تـفـيـد بأن الـسـؤال متـوقـع وسيكـون لا محالة، بـيـنـما (إن) تفـيـد الـتـوقـع وغـير الـتـوقـع.
فالله يـؤكـد لك أنـك بـعـد ما تـرى هــذه الـحـلاوة، حـلاوة الـعـبادة، سـتـشكـر الله عـز وجـل، لأنـه سـبحانه وتعالى يـقـول في الحـديث الـقـدسي:(ثـلاثـة لا تـرد دعــوتهـم: الإمـام الـعـادل، والـصائـم حـين يـفـطـر ودعـوة الـمـظـلـوم، يـرفـهـا الله فـوق الـغـمام، وتفـتح لـها أبـواب الـسماء، يقـول الـرب: وعـز تي وجـلالي لأ نصـرنك ولـو بعـد حـين).
فـما دام الله سـبحانه وتعالى سـيجـيب الـدعـوة، وأنـت قـد تكـون مـن الـعـامة، ولا أنـت إمام، وكـذلك لـست مـظـلـوماً، إذن: تبـقى دعـوة الـصائـم وأنت صـائـم، وعـنـدما نـقـرأ في كـتاب الله كلـمة:(سـأل) سـتجــد أن مادة الـسؤال بالـنسبة للـقـرآن الكـريم وردت وفي جـوابها (قـل) مـثـلاً قال الله تعالى:(يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ)؟ فجـاء جـوابـها: بـ (قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّـهَ بِهِ عَلِيمٌ) (الـبـقـرة ـ 215)، وقـوله تعالى:(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ) جـوابهـا:(قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا) (الـبـقـرة ـ 219)، وقـال تعالى:(وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّـهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) (الـبـقـرة ـ 219)، وكل كلـمة:(يـسألـونـك) يـأتي جـوبـها بـ(قُــل)، إلا آيـة واحـدة جـاءت فـيـها:(فـقُـل) بالـفـاء، وهـي قـوله تعالى:(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا) (طه ـ 105) .. وللحـديث بـقـية.

ناصر الزيدي

إلى الأعلى