الأحد 18 نوفمبر 2018 م - ١٠ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / عن التغيير المؤسساتي المنشود فلسطينيا

عن التغيير المؤسساتي المنشود فلسطينيا

علي بدوان

“كانت خطوة انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الثالثة والعشرين قبل شهرٍ مضى في مدينة رام الله في فلسطين، خطوة إيجابية وجيدة في هذا المسار، لجهة إعادة تشكيل الهيئات القيادية الجديدة للمنظمة، لكنها خطوة ما زالت بحاجة للمزيد من العمل من أجل السير نحو مجلس وطني فلسطيني جديد، يتم انتخاب أعضائه حيث أمكن، وبالتوافق في المواقع التي يصعب إجراء انتخابات فيها، وتحديدا في بعض دول الشتات.”

أبرزت مسيرات العودة على مداخل قطاع غزة، ومعها الحراكات الشبابية المستمرة (ولو بتقطع) في عموم الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967، أن الحالة المؤسساتية الفلسطينية باتت تتطلب تغييرا في بناها لجهة فتح أبوابها أمام الأجيال الصاعدة، وكَسرِ حالةِ الإغلاق التي فرضتها الذهنيات التي قادت العمل المؤسساتي الفلسطيني الرسمي والفصائلي، وما زالت بمعظمها تقريبا، تتربع على قمةِ مفاصله، وقد سادت في شرايينها أمراض التكلس والشيخوخة الفكرية، وشيخوخة الصف الواسع في الهرم القيادي، وهي الشيخوخة التي أصابت معظم الفصائل والتنظيمات في مَقتل، وانعكس ذلك على الحالة الوطنية، وحال دون حدوث عملية التجديد المنشودة، وهذا ما حصل بشكل خاص في حال فصائل وقوى اليسار الفلسطيني بمعظم مكوناته في ظل تقوقعها وتكلسها، واستنكاف قطاعات من أجيال الشباب الجديدة عن الالتحاق بالعمل في صفوفها، مع استثناء ما في واقع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، حيث تُعبّر مواقف أجيال الشباب من تلك الفصائل في وجه من وجوهها على فشل كبير وفضيحة مدوّية للأطر الحزبية والتنظيمية الفصائلية وقياداتها التي شاخت، والتي لم تستطع أن تُجدّد نفسها، وتكوينها، وعقليتها، فضلا عن استبعادها للأجيال الصاعدة ذات الكفاءة والحضور والتأثير عن مواقعها القيادية، فألحقت الخراب الكبير في فصائلها: أزمات، تآكل داخلي، انشقاقات، خروج مُستمر للكوادر المُجربة والمدعوكة بالعمل، ضمور هيئاتها، واستنكاف جمهورها وتراجعه، وزاد معه سلوكها المُتخم بــ”انتهازية الرفاق”، ونرجسية الــ”عتاولة” الذين لا يرون أنفسهم إلا قادة من المهد إلى اللحد.
لقد بينت وقائع مسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة بعد النكبة، أن طريق التحول الحقيقي المنتج في الساحة الفلسطينية، لا يمر عبر تبني (السلوك العدمي) بالانشقاقات وتصنيع البدائل، ونقل التعارضات والتباينات من الساحة السياسية والفكرية إلى ساحة التطاحن الذاتي على الأرض، بل يمر عبر الطريق الديمقراطي والعمل بين الناس. فطريق التحوّل الديمقراطي الهادف لصياغة وإنتاج البديل المنشود للمنظومات السياسية الفلسطينية القائمة (بعجرها وبجرها) يمكن تعبيده وفتحه بالنفس الصبور، والروح المثابرة، وهو وحده الطريق السليم لتفعيل حضور عنصر الشباب في المعادلة الفلسطينية، وهو وحده الطريق الممكن للتخلص من العقليات والسياسات والبرامج القديمة التي حكمت مسار معظم الفصائل الفلسطينية التي شاخت بقدها وقديدها، بقياداتها وبرامجها وسياساتها.
طريق التحوّل الديمقراطي الحقيقي، هو الممكن في الساحة الفلسطينية المحكومة بمعادلة خاصة لها علاقة بطبيعة الوضع الخاص للشعب الفلسطيني، حيث أكثر من نصفه في الشتات، وفي أكثر من بلد عربي، وتتفاوت ظروف وجوده من بلد لبلد. فالساحة الفلسطينية محكومة في جانبٍ كبير منها بمنطق الجغرافيا والشتات، وهو ما يجعل من (الخيار الديمقراطي) الحقيقي القائم على العمل المضني والصبور، بمثابة الخيار الوحيد والمتاح لتطوير وإعادة بناء الحالة الفلسطينية على كل مستوياتها، واقتلاع حالات الترهل السائدة فيها لصالح بروز دور الشباب الصاعد، والمليء بالآمال والأحلام الوطنية الحية، والقادر فعليا على قيادة المرحلة التالية، مستفيدا من الخبرات التي راكمها الشعب الفلسطيني خلال تجربته الكفاحية المعاصرة.
التغيير المنشود في عموم الهيئات والمؤسسات الوطنية الفلسطينية الجامعة، لن يأتي على الأرجح من داخل الحالة الرسمية، أو المعارضة السائدة، وحدهما، بل يُفترض به أن يأتي أيضا من الحالة الوطنية العامة، وبمشاركة الأجيال الجديدة من الشبان والشابات الذين يتصدرون العمل الوطني على أرض الواقع في الضفة الغربية والقطاع مواقع الشتات الفلسطيني. ولنا أن نلاحظ أن مسيرات العودة في قطاع غزة يقودها هؤلاء الشباب من حملة الراية الوطنية الفلسطينية، والذين باتت حركتهم المؤطرة حالة وطنية لا يمكن القفز عن دور أصحابها، أو تجاوزهم في مسار العمل السياسي والمؤسساتي الوطني الفلسطيني.
ثقل المعاناة يَفرض مشاركة الجميع في عملية التغيير، حيث لم يَعُد النظام السياسي الفلسطيني المُتشكّل من عموم القوى والفصائل في إطار منظمة التحرير الفلسطينية وتحالف قوى المعارضة، قادر على استيعاب المتغيرات والتغييرات المنشودة وحده دون المشاركة الوطنية العامة من قبل عموم هيئات ومؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني وجمهور المستقلين ومغادري الفصائل، والشباب الصاعد، وعموم التجمعات في الداخل والشتات، خاصة وأن هموم ومشكلات التجمعات الفلسطينية المختلفة تقتضي نظرة أكثر شمولية في التعاطي مع واقع هذه التجمعات، والتي أمسى بعضها عرضة لمخاطر وطنية كبرى تتخطى الوقائع الجغرافية لتطول المشروع الوطني برمته، كما هو الحال في الشتات الفلسطيني على أرض سوريا في ظل نيران الأزمة الداخلية التي أوقعت نكبة ثانية بفلسطينيي سوريا.
إنجاز تلك المهمة، عملية مضنية، وتحتاج لعصف فكري واجتراح مواقف مدروسة جدا، بعيدة عن التزمت والجمود والدوغمائية في العمل السياسي اليومي والتحالفات الداخلية الوطنية وفي النظرة للأمور، وبعيدة عن تقديس النصوص، وبعيدة عن “الشطارة والفهلوة” ومخاتلات العمل النقابي، ومنطق الاستحواذ بالرأي والقرار، وبالامتيازات وتقاسم الكعكة وفق منطق (الكوتا) اللعين.
في هذا السياق، كانت خطوة انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الثالثة والعشرين قبل شهرٍ مضى في مدينة رام الله في فلسطين، خطوة إيجابية وجيدة في هذا المسار، لجهة إعادة تشكيل الهيئات القيادية الجديدة للمنظمة، لكنها خطوة ما زالت بحاجة للمزيد من العمل من أجل السير نحو مجلس وطني فلسطيني جديد، يتم انتخاب أعضائه حيث أمكن، وبالتوافق في المواقع التي يصعب إجراء انتخابات فيها، وتحديدا في بعض دول الشتات، والوصول إلى مجلس وطني بقوامٍ جديد، وتشكيل جديد، وصولا لانتخاب هيئات قيادية لعموم مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، يتم من خلالها إحداث التجديد المطلوب في البنى والمؤسسات الوطنية الفلسطينية.
إنَّ مسيرات العودة، وتصاعد دور الشباب الفلسطيني، رسالة قوية للاحتلال “الإسرائيلي” أولا وأساسا، كما هي رسالة داخلية في الساحة الفلسطينية، لإحداث التغيير المطلوب لجهة إعطاء هذه الأجيال الصاعدة حقها في إدارة وصناعة القرار الوطني الفلسطيني، وبالتالي في تجديد الحياة في عموم المؤسسات الوطنية الفلسطينية الجامعة للشعب الفلسطيني الواحد والموحد بالداخل والشتات.

إلى الأعلى