الخميس 21 فبراير 2019 م - ١٦ جمادى الأخرة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شذرات من هدى القرآن

شذرات من هدى القرآن

الـصـوم وأثـره في النفـس (17)

الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلين وخاتم النـبيين وإمـام الـمتـقـين وحجـة الله رب العـالـمين وعـلى آلـه وأصـحـابه أجـمعـين، وعـلى الـتابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـلا زال الحـديث مـوصـولاً عـن الـصيام وأثـره في الـنفـس، وبـعـد: فـانـظـر إلى الـدقـة في الأدائـية الـقـرآنـية، الأولى:(قُلْ( وهـذه (فـقـُلْ)، فـكأن:(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ..)، يـؤكـد أن الـسؤال قـد وقـع بالفعـل مـن الـمسلـمين، لـما رأوا مـن تأثـير الخـمـر عـلى شـاربـها ، فجـاء الـجـواب بـ (قُـلْ).
ولـكـن قـوله تعالى:( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ ..) فالـسؤال هـذا سـتتـعـرض له، فـكأن الله حـين أجـاب عـن أسـئلة وقـعـت بالـفـعـل فـقال:(قـُـلْ)، والـسؤال الـذي لـم يـقـع بـعـد وإنـما سـيأتي مـن بـعـد ذلك جـاءت إجـابتـه:(فَـقُـلْ) أي: أعـطـاه جـواباً مسـبـقـاً، إذن فـفـيه فـرق بـين جـواب عـن سـؤال حـدث، وبـين جـواب عـن سـؤال لـم يحـدث بـعـد ، لـيـدلـك عـلى أن أحـدا لـن يـفـا جيء الله بـسـؤال: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا).
لـكـن نحـن الآن أمـام آيـة جـاء فـيهـا سـؤال، وكانت الإجـابة مـباشـرة:(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ)، فـلـم يـقـل: فـقـل إني قـريـب أجـيب دعـوة الـداعي، لأن قـوله:(قُـلْ) هـو عـمـلـية تطـيـل زمـن الاجـابة، والله يــريـد أن يخـبـرنا بأنه قـريـب مـن إجـابة الـداعي إذا دعـاه، كـما قال لـسـيـدنا زكـريا عـلـيه الـسلام لـما دعـا ربـه، قال تعالى:(هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ، فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّـهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّـهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ) (آل عـمـران 38 ـ 39)، هـذا يــدل عـلى أن الله لـيس غـافـلاً عــن طـلـبات عـبـاده، وأن الـداعـي قـريـب مـن الله.
ولــذلك جـعـل إجـابة سـؤال الـداعي قـريـبة وبـدون واسـطـة ، فالله لا يـريـد وسـطـاء بـينه وبـين عـباده:(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (الـبـقـرة ـ 186)، لـقـد جـعـل الله الـجـواب مـنه لـعـباده الـمـؤمـنـين مـباشـرة بـدون واسـطة، وإن كان الجـواب سـيأتي بـواسـطة الـرسـول (صلى الله عـلـيه وسـلـم)، لأنـه هـو الـمخـاطـب مـن قـبـل الله، وهـو الـمسؤول مـن قـبـل الـعـباد.
وجـاء في تفـسير الإمـام الـقـرطـبي، قـولـه:(وَإِذَا سَأَلَكَ) الـمعـنى وإذا سـألـوك عـن الـمـعـبـود، فأخـبر هـم أنه قـريـب يثـيب عـلى الـطاعـة ويجـيب الـداعي، ويـعـلـم ما يـفـعـله الـعـبـد مـن صـوم وصلاة، وغـــير ذلك مـن الـعـبـادات التي تـقـربـه إلى الله، وأخـتـلـف في سـبب نـزوهـا، فـقال مـقاتل: أن عـمـر بن الخـطاب واقـع امـرأته بـعـد ما صـلى الـعـشـاء، فـنـدم عـلى ذلك وبـكـى، وجـاء إلى رسـول الله (صلى الله عـلـيه وسـلـم) فأخـبره بـذلك ورجـع مـغـتّـمـاً.
وكان ذلك قـبـل نــزول الـرخـصة التي رحـم الله بـها عـبـاده، فـنـزلـت الآيـة: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ)، وقـيـل لـما وجـب عـلـيـهـم في الابــتـداء تـرك الأكـل بـعـد الـنـوم فأكل بـعـضـهـم ثـم نـدم ، فـنـزلت هـذه الآيـة في قـبـول الـتـوبـة ونسـخ ذلك الـحـكـم الـذي كـان فـيه شـيء مـن الـشـدة والحـرج.
وروى ابن الـكـلـبي عـن أبي صـالح عـن ابن عـباس قال : قالت الـيهـود كـيف يسـمع ربنا دعـاءنـا، وأنـت تـزعـم رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم) أن بـيـننا وبـين الـسـماء خـمسمـائة عـام، وغـلـظ كل سـماء مـثـل ذلك؟، فـنـزلـت هــذه الآيـة، وقال الـحـسـن: سـبـبهـا أن قــوما قالـوا للـنبي (صلى الله عـلـيه وســلـم)، أقـريـب ربـنـا فـنـناجـيه، أم بـعـيــد فـنـناديـه؟ فـنـزلت الآيـة.
وقال عـطـاء وقــتـادة: لـما نـزلـت: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) قال قـوم: في أي سـاعـة نــدعـوه؟، فـنـزلت:(إِنِّي قَرِيبٌ) أي: بالإجـابة، وقـيـل بالـعـلـم وقـيـل: قــريب مـن أولـيـائي بالإفـضـال عـلـيهـم والإنـعـام.
وقـوله تعالى:(أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) أي: أقـبـل عـبـادة مـن عـبـدني، فالــدعـاء بمـعـنى الـعـبادة، والإجـابـة بـمعـنى الـقـبـول، ودلـيـله مـا رواه أبـو داود عـن الـنـعـمان بن بـشـير عـن الـنبي (صلى الله عـلـيه وسـلم)، قال:(الـدعـاء هـو الـعـبـادة، قال ربـكـم ادعـوني أسـتـجب لـكـم)، فـسمى الـدعـاء عـبادة، ومـنه قـوله تعالى:( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) (غـافـر ـ 60) أي: إن دعـائي، فأمـر الله بالـدعـاء وحـض عـلـيه وسـمـاه عـبـادة، ووعــد بأن يـسـتـجـيـب لـهـم.
وروى للـيـث عـن شـهـر بن حـوشــب عـن عـبـادة بن الـصامـت، قـال: سـمعـت رسـول الله (صلى الله عـلـيه وسـلم) يـقـول:(أعـطـيت أمتي ثـلاثـاً لـم تـعـط إلا الأنـبـياء، كان الله إذا بـعـث نـبـياً قال: ادعـني اسـتـجـب لـك، وقال لـهـذه الأمة: ادعــوني استـجب لـكـم ، وكان الله إذا بـعـث الـنبي قال لـه: مـا جـعـل عـلـيـك مـن حـرج، وقال لـهـذه الأمة: مـا جـعـل عـلـيـكـم في الــديـن مـن حـرج، وكان إذا بـعــث الـنـبي جـعـله شـهـيـداً عـلى قـومـه، وجـعـل هــذه الأمـة شـهـداء عـلى الـنـاس)، قال تعالى:(وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (الـبـقـرة ـ 143).
.. وللحـديث بـقـية.

ناصر الزيدي

إلى الأعلى