الخميس 23 مايو 2019 م - ١٧ رمضان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / نجاح الدعوة (7)

نجاح الدعوة (7)

العنصر الثاني لنجاح الدعوة، هو فقه الدعوة، يرتكز فقه الدعوة إلى الله تعالى في تقديري على ست ركائز، أولها: معرفة أحوال المدعوين وواقعهم وطبائعهم فهذه المعرفة من الأهمية بمكان، فهي ضرورة ليتمكن الداعية من دعوة كل قسم منهم بأسلوب يتلاءم معه، وبمنهج يناسب طبعه، فهؤلاء مرضى، فكل مريض له تشخيصه المناسب، ودواؤه الخاص، والداعية الناجح كالطبيب الماهر الذي يشخص المرض، ويوصف الدواء، وتكون دعوة هؤلاء فردية وجماعية، وتتم بالقول والفعل، وتأتي أهمية معرفة أحوال، وواقع المدعوين، وطبائعهم من كون الإنسان ابن بيئته .. مكانًا، وزمانًا، وثقافةً.
إن من الحكمة أن تُقام على الإنسان الحجة من الواقع الذي يعيشه، ويُذكرُ أن شابًا نصرانيًا أوروبيًا وقع الإسلام في نفسه، واقتنع بتعاليمه على يد شيخ داعية هناك، إلا أن هذا الشاب لا يقوى على ترك الزنا الذي حرمه الإسلام، فقد أدمن عليه، واستولى على كيانه، وأخبر الشيخ أنه على استعداد أن يشهر إسلامه، ويلتزم بكل تعاليمه وأحكامه إلا الزنا، فسأله الشيخ: أترضى أن يزنى بأمك؟ فأجابه الشاب: نعم لا مانع لديه، إن هي وافقت، ولا عجب في رد هذا الشاب، فذلك واقع بيئته .. أسرته ومجتمعه.
ونحن إذا قارن رد هذا الشاب برد الشاب الذي جاء إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) يطلب منه أن يسمح له بالزنا، ولما سأله النبي (صلى الله عليه وسلم) أترضى أن يزنى بأمك، أجابه الشاب لا يا رسول الله أدركنا أثر البيئة والمجتمع على الإنسان.
قلت لو أن الشيخ أقام على الشاب الحجة من واقعه، وبين له أن الزنا هو سبب مرض الايدز وغيره من الأمراض الفتاكة المميتة، التي يحذر منها عالميًا، والتي يعاني منها العالم الغربي وغيره، والتي لا يوجد لها علاج إلى الآن، عندئذ يسأله: هل تريد أن تصاب بالإيدز فتموت، وتنتهي حياتك، وأنت ما زلت في مقتبل العمر، وفي ريعان الشباب؟
أتوقع أن تكون إجابة الشاب بالنفي، عندئذ تتكون لدى الشاب قناعة داخلية بحرمة الزنا، وتتبلور في قرارة نفسه إرادة صادقة، وعزيمة قوية تفوق رغبته الجامحة في الزنا، وتتغلب عليها، ويتولد في أعماق قلبه استعداد تام على ترك الزنا، والتخلي عنه، فيشهر إسلامه.
ثاني هذه الركائز التي يتركز عليها فقه الدعوة هي الإحسان قبل البيان إذ النفوس جبلت على حب من أحسن إليها، وكره من أساء إليها، فعلى الداعية أولًا إيجاد موضع له في قلب من يريد دعوته، وتأتي الأخلاق الكريمة في مقدمة ما يوجد هذا الموضع، الذي سيكون الحاضن الأول للدعوة، فمن أراد أن يصلح إنسانًا، من أراد أن يدعو أحدًا، من أراد أن يحبه شخص، من أراد أن يستمع له إنسان، من أراد أن يستجيب له أحد، من أراد أن يكسب ود أحد؛ من أراد أن يتقرب إلى أحد، فعليه أولًا قبل أن يكلمه، وقبل أن يدعوه، وقبل أن يبين له، وقبل أن يتحدث معه، وقبل أن يتقرب إليه، أن يوجد له موضعًا في قلب ذلك الإنسان؛ ليتقبل منه، وذلك بالإحسان إليه، وصدق أبو الفتح البستي إذ يقول:
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم
فطالما استعبد الإنسانَ إحسانُ
الإحسان يوجه إلى القلب، فيصل إليه، ويترك فيه آثارًا حسنة عميقة لا تمحى، ويرسم فيه بصمات جميلة جليلة لا تنسى، ولا عبرة بمن جحد المعروف، ونسي الإحسان، وتنكر للجميل، فلكل قاعدة شواذ.
الإحسان دليل الرحمة، فرحمة الإنسان لها جانبان؛ جانب داخلي، وهو التأثر والشفقة، وجانب خارجي وهو الإحسان والعطاء. الإحسان هو المعروف بمفهومه الواسع، يشمل كل ما يدخل الفرحة والسرور، ويرسم البهجة والمودة، ويستدعي الشكر والثناء، من ذلك الابتسامة، والبشاشة، والكلمة الطيبة، والمعاملة الحسنة، والخلق الكريم، يقول النبي (صلى الله عليه وسلم):(تبسمك في وجه أخيك صدقة)، ويقول (صلى الله عليه وسلم): (إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن يسعهم منكم بسط الوجه، وحسن الخلق).
ومن صور الإحسان البدء بإلقاء السلام، والكلمة الطيبة، وحسن الصمت والسمت، وحسن الهيئة والمظهر، وحسن الاستماع والإنصات، وإنزال الناس منازلهم، والنصيحة، والهدية، والهبة، والزيارة، والسؤال، وقضاء الحوائج، ونشر العلم، وإصلاح ذات البين، والتوفيق بين الزوجين، وبذل المال، ونصرة الظالم والمظلوم، وإغاثة الملهوف، ومساعدة المحتاج، والمشاركة في الأفراح والأتراح، وكظم الغيظ، والعفو عن المسئ.
.. وللحديث بقية.

يوسف السرحني

إلى الأعلى