الجمعة 22 نوفمبر 2019 م - ٢٥ ربيع الاول ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / نجاح الدعوة (8)

نجاح الدعوة (8)

الإحسان يوجه إلى القلب، فيصل إليه، ويترك فيه آثارًا حسنة عميقة لا تمحى، ويرسم فيه بصمات جميلة جليلة لا تنسى، ولا عبرة بمن جحد المعروف، ونسي الإحسان، وتنكر للجميل، فلكل قاعدة شواذ.
الإحسان دليل الرحمة، فرحمة الإنسان لها جانبان: جانب داخلي وهو التأثر والشفقة، وجانب خارجي وهو الإحسان والعطاء.
والإحسان هو المعروف بمفهومه الواسع، يشمل كل ما يدخل الفرحة والسرور، ويرسم البهجة والمودة، ويستدعي الشكر والثناء، من ذلك الابتسامة، والبشاشة، والكلمة الطيبة، والمعاملة الحسنة، والخلق الكريم، يقول النبي (صلى الله عليه وسلم):(تبسمك في وجه أخيك صدقة)، ويقول (صلى الله عليه وسلم):(إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق).
ومن صور الإحسان البدء بإلقاء السلام، والكلمة الطيبة، وحسن الصمت والسمت، وحسن الهيئة والمظهر، وحسن الاستماع والإنصات، وإنزال الناس منازلهم، والنصيحة، والهدية، والهبة، والزيارة، والسؤال، وقضاء الحوائج، ونشر العلم، وإصلاح ذات البين، والتوفيق بين الزوجين، وبذل المال، ونصرة الظالم والمظلوم، وإغاثة الملهوف، ومساعدة المحتاج، والمشاركة في الأفراح والأتراح، وكظم الغيظ، والعفو عن المسئ.
أما البيان فهو القول باللسان، فالبيان يخرج من اللسان ويصل إلى الآذان، ولا يصل إلى القلب إلا إذا كان نابعًا من القلب، ولن يكون نابعًا من القلب، إلا إذا كان قائله ترجمةً حيةً لما يقول، وتصويرًا واقعيًا لما ينطق، وهذا هو الإحسان، يقول الله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّـهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) (الصف 2 و3).
وثالث هذه الركائز استخدام الوسائل والأساليب المناسبة، فالأصل جواز استخدام كل الوسائل، والأساليب، والطرق، والمناهج المناسبة والمتاحة إلا ما قام الدليل الشرعي على تحريمه، كالكذب، والخديعة، والاحتيال، والمداهنة، فلا يجوز في الإسلام تطبيق قاعدة (الغاية تبرر الوسيلة) ومن هنا يجب الاستفادة من كل الوسائل المتاحة، والأساليب الممكنة القديمة والمعاصرة، وتوظيف تقنيات العصر الحديث، واختيار الأنسب منها والأنفع والأصلح.
أما رابع ركائز فقه الدعوة على الداعية أن يبدأ دعوة من يدعوه بالتخلي عما ألفه واقتنع به واستقر في نفسه، قبل التحلي بما يريد الداعية أن يدعوه إليه؛ وهذا لا يتم إلا بعد معرفة ودراسة قناعات وأفكار المدعوين، ثم نقضها وإبطالها بالحجة والبرهان لتحل محلها تلقائيًا قناعات وأفكار الداعية، وعندئذ يتحقق هدف الدعوة.
وخامسها التدرج في الدعوة بمعنى أن على الداعية أن يبدأ بالكليات قبل الجزئيات، وبالأصول قبل الفروع، وبالقضايا الأساسية قبل المسائل الثانوية، وبالفرائض قبل السنن، وبالسنن قبل النوافل، وبالمتفق عليه قبل المختلف فيه، وهكذا يتبع الداعية في دعوته سنة التدرج.
وسادس ركائز فقه الدعوة هي اغتنام الفرص ومراعاة الأحوال. يجب أن يراعي الداعية أحوال الناس وظروفهم عند دعوتهم، فذلك أدعى إلى الاستجابة والقبول، فكما يقال لكل حادثة حديث، ولكل مقام مقال، فمثلًا وقت الفرح والسرور يذكر الناس بنعم الله تعالى، ووجوب شكره، وأن يكون الفرح والسرور وفق ضوابط الشرع، وفي حدود تعاليمه؛ حتى لا يخرج من دائرة الحل والإباحة إلى دائرة المنع والحظر، ولا يغادر حد المشروعية والجواز إلى مجاوزة الحد المشروع، وعند عقد الزواج أو في ليلة الزفاف يذكر الناس بأهمية الزواج، وحقيقته، وحكمه، وفوائده، وما يترتب عليه من أحكام شرعية، ويعرفون بالعلاقة الوطيدة بين الزوجين، ويحذرون من التلاعب بعقد الزواج، ويذكرون بنعمة الأولاد.
وفي وقت الحزن والأسى يذكر الناس بالصبر، وبما أعده الله تعالى للصابرين من أجر وثواب، وفي حالة النجاح يذكر الناس بفضل الله تعالى عليهم وتوفيقهم، وأن هذا يستوجب شكر لله تعالى وطاعته، وفي حال النجاة يذكر الناس بلطف الله وكرمه ومعيته لعبده، وأن هذا يستوجب تعظيم الله وتوقيره.
وعند بداية العام الهجري يذكر الناس بسرعة انقضاء الدنيا، وتصرم الآجال، وتقضي الأعمار، وضرورة التزود إلى دار المعاد، وعند الكسوف أو الخسوف أو حدوث مكروه كإعصار أو رياح أو عواصف أو صواعق أو فيضانات ففي مثل هذه الأحوال يؤمر الناس بالتوبة، والرجوع إلى الله تعالى، ويذكرون بقدرة الله تعالى وبمشاهد يوم القيامة، وأهوال ذلك اليوم العظيم ومواقفه، وبحالة الناس في ذلك الموقف الرهيب.

يوسف السرحني

إلى الأعلى