الجمعة 6 ديسمبر 2019 م - ٩ ربيع الثانيI ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / من باكو إلى تبليسي .. أيام لا تنسى 4/4

من باكو إلى تبليسي .. أيام لا تنسى 4/4

سعود بن علي الحارثي

” .. مما لاحظته في الأسواق والشوارع الرئيسة المحيطة بها انتشار أكشاك بيع الكتب بأنواعها القديمة والجديدة ما يؤكد أن الشعب الجورجي محب للقراءة والمطالعة منتج للثقافة والمعرفة، لذلك تعد جامعة تبليسي أقدم جامعة في منطقة القوقاز، والتعليم في جورجيا الزامي وبلغ معدل التحصيل بين البالغين ١٠٠%، السياحة في جورجيا نشطة وتشهد نموا متزايدا وقد زارها في عام ٢٠١٧م حوالي سبعة ملايين سائح معظمهم من تركيا وروسيا وإيران،”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رابعا : تبليسي تتنفس التاريخ .
قبيل توجهنا إلى تبليسي محطتنا الثانية بعد باكو، نشرت صحيفة أثير الإلكترونية خبرا عن ستة مواطنين عمانيين تمت إعادتهم من مطار جورحيا إلى مسقط دون توضيح للأسباب، وهي ليست السابقة الأولى، أثار الخبر في نفوسنا التردد بشأن المضي في برنامجنا لزيارة جورجيا من عدمه، وقررنا بعد نقاش وتبادل للرأي ان نواصل مسيرنا المخطط كما هو لعلنا نكتشف بعض الحقائق التي نجهلها عن أسباب إعادة العمانيين دون السماح لهم بالدخول . وصلنا مطار تبليسي في الساعة السابعة والنصف مساء، في لحظة وداع أشعة الشمس تعانق بياض الثلج في قمم جبال القوقاز فينعكس الضياء على ضياء، نهر كورا يشق طريقه بين الجبال والسهول يتدفق في مجراه الواسع ممتدا من شمال شرق تركيا نحو المدينة عابرا الأراضي الجورجية لينتهي به المطاف في بحر قزوين في جمهورية أذربيجان، السماء صافية زرقاء لا أثر فيها للسحب، الأرض تلتحف بساطا أخضرا، البنايات والعمارة تظهر وتختفي وفقا لحركة واتجاه الطائرة، هذه هي المشاهد التي تتراءى لنا من النافذة والناقل الجوي ينزل بنا في مطار تبليسي، أنهينا إجراءاتنا خلال دقائق معدودة دون معيق أو سؤال مريب أو موقف محرج، حالنا كحال أي قادم إلى جورجيا، معاملة حسنة وراقية وسهلة لم تقدم لنا إجابة عن سؤال ما يزال معلقا. في طريقنا إلى الفندق أظهرت صورة الشارع المهترئ وضعف البنية التحتية وغياب اللمسات الجمالية الفارق الكبير بين دولة نفطية كأذربيجان وأخرى حرمت منها مثل جورجيا، الفقر هنا في تبليسي تلحظه العين في الشوارع المليئة بالحفر والأحياء السكنية البالية وملامح البشر المعبرة عن العوز والحاجة، من ميدان الحرية مركز تبليسي تشي القصور والكاتدرائيات ومقار مؤسسات الحكم الشيوعي والأبنية القديمة عن الفخامة والمهابة والمتانة وطراز معماري يعبر عما وصلت إليه العمارة الجورجية من عبقرية في التصميم والإبداع والثراء والازدهار. حيث تحكي الأسطورة بأن ملك جورجيا في الزمن القديم توجه للصيد فوقع الطائر الذي اصطاده قرب ينبوع ساخن ليكتشف الملك منطقة ساحرة الجمال أطلق عليها (تبلي) وهي كلمة جورجية تعني (الدفء) ما أعطى (أماكن السياحة في تبليسي بعدا تاريخيا واسطوريا)، إنها مدينة خرافية قادرة بنهرها المتدفق من سفوح الثراليتي) وجبال القوقاز أن تأسر زائيرها فتفتنهم بجمالها وتثير فيهم حالة من الاندهاش وهم يجوبون شوارعها ويتيهون بين أزقتها وحاراتها القديمة ويقرؤون تاريخها الحافل بالأساطير والمفاجآت والثورات والمرارات والانتصارات وامبراطوريات وحضارات وثقافات استوطنت هنا وأثرت تأثيرا عميقا في الانسان الجورجي وملوك عظام اسهموا في تاريخ جورجيا ومن أبرزهم وأهمهم على الإطلاق الملك (فاختانج جورجسالي) الذي شيد تبليسي في شكلها الحالي في القرن الخامس الميلادي. وقد بلغت الجيوش الإسلامية هذه المناطق في عصر الخليفة عمر بن الخطاب ويرجع الفضل إلى القائد حبيب من مسلمة في إخضاعها للخلافة الاسلامية، وظلت منطقة القوقاز التي تضم جورجيا واذربيجان وأرمينيا إمارة إسلامية وممن ولي عليها محمد بن مروان في عهد الخلافة الأموية، إنها عزائم وهمم الرجال، الإيمان القوي الذي يصنع المستحيلات وينتصر على التحديات والمعيقات، وقد تعرضت تبليسي الى تدمير واسع في أواخر القرن الرابع عشر على يد جيوش تيمور لنك، وخضعت في بدايات القرن العشرين للقيصرية الروسية وللاتحاد السوفيتي بعد ذلك قبل أن تستقل بعد انهياره في بدايات التسعينيات من القرن الماضي. يعد ميدان الحرية الذي عرف كذلك باسم ميدان يريفان خلال حكم الإمبراطورية الروسية، وميدان لينين أيام احتلال السوفييت لجورجيا مركز مدينة تبليسي وأهم موقع سياحي فيها، تقام فيه الاحتفالات بالأعياد والمناسبات الوطنية وشهد الكثير من الاحتجاجات والمظاهرات والثورات والمواقف، من أبرزها ثورة الورد ومحاولة فلاديمير اروتيونيان وهو مواطن جورجي من أصل ارميني اغتيال الرئيس الأميركي جورج بوش والرئيس الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي أثناء القائهما خطابا أمام حشد من حوالي 100ألف، وتكتظ شوارعه بالأسواق والباعة والمتسوقين والأبنية القديمة والحديثة ومن بين أهمها مبنى البرلمان القديم ومبنى البلدية، ويعود تاريخ تشييد الميدان إلى أوائل القرن التاسع عشر الميلادي .
اشتملت جولة اليوم الأول في تبليسي اكتشاف أهم معالمها وأبرزها على الإطلاق قلعة ناريكالا التاريخية التي سجلت اكبر جذب سياحي لجورجيا، وقد بنيت خلال القرن الرابع لحماية المدينة من هجمات الأعداء وتطل على العاصمة الجورجية من أعلى قمة جبل(.sololaki)، تهدمت أجزاء كبيرة من القلعة ولم يبق منها إلا السور الخارجي وبعض الأبراج وأطلال متناثرة على مساحة واسعة ولكنها تتميز بموقع خلاب يطل على معظم أجزاء تبليسي ومنه يمكن مشاهدة قصر الحكم والقصور والكنائس والكاتدرائيات التي يصعب حصرها وزيارتها والمدينة القديمة ومواصلة اكتشاف مواقع أخرى مهمة مثل تمثال أم الجورجيين الذي شيد من الالمنيوم في العام ١٩٥٨م، وتأخذ رمزيته الطابع الوطني الجورجي ففي اليد اليسرى تحمل أم الجورجيين وعاء النبيذ لاستقبال الذين يأتون إلى جورجيا كأصدقاء وفي اليد اليمنى السيف لمن يأتون كأعداء، الشلالات الكبريتية وحمامات اباناتوبني القديمة ذات القبب الحجرية الجميلة والتي تجذب السياح اليها باعتبارها واحدة من أهم معالم المدينة القديمة او للاستحمام والاسترخاء في مياهها الكبريتية، أبرز واهم مسجد قديم بني في المنطقة وما يزال تقام فيه الصلوات الخمس وصلاة الجمعة وأخيرا كنيسة سانت ماري التي تعود للقرن السادس وتم تحويلها خلال الاستعمار السوفييتي الى ورشة لإصلاح الاطارات وأعيد دورها بعد الاستقلال لتمارس رسالتها الكنسية. العملة الحورجية هي ال (لاري) ويساوي (GEL) 0.4080 دولارا أميركيا، ولجورجيا لغتها الرسمية الخاصة التي يتحدث بها حوالي أربعة ملايين انسان، ومما لاحظته في الأسواق والشوارع الرئيسة المحيطة بها انتشار اكشاك بيع الكتب بأنواعها القديمة والجديدة ما يؤكد أن الشعب الجورجي محب للقراءة والمطالعة منتج للثقافة والمعرفة، لذلك تعد جامعة تبليسي أقدم جامعة في منطقة القوقاز، والتعليم في جورجيا الزامي وبلغ معدل التحصيل بين البالغين ١٠٠%، السياحة في جورجيا نشطة وتشهد نموا متزايدا وقد زارها في عام ٢٠١٧م حوالي سبعة ملايين سائح معظمهم من تركيا وروسيا وايران، وأكثر ما يجذب السائح الى جورجيا النبيذ المصنوع وفقا لأقدم طريقة والاستحمام بالمياه الكبريتية واكتشاف المعالم والآثار القديمة .عانى الاقتصاد الجورجي من أزمات اقتصادية بالغة خلال فترة التسعينيات بسبب الصراعات والحروب الأهلية وهب الغرب الى نجدة الاقتصاد الجورجي فحصل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في عام ١٩٩٥ على قرض قدره ٢٠٦ مليون دولار أميركي، وقدمت ألمانيا مساعدات وصلت إلى ٥٠ مليون مارك ألماني، تراجعت نسبة الفقر في جورجيا من ٥٤% في عام ٢٠٠١ إلى ٣٤% في ٢٠٠٦، وفي ٢٠٠٧ بلغ نمو الناتج المحلي للاقتصاد الجورجي ١٢% مما جعلها واحدة من اسرع اقتصادات شرق أوروبا نموا، أما في العام ٢٠١٥ فقد بلغ النمو ٢،٨ % ، وما تزال مشاهد الفقر واضحة في ملامح الحياة العامة حيث يشقى الجورجيون طوال اليوم ويعملون في مختلف المهن بما في ذلك البيع في الشوارع لتوفير لقمة العيش، كما تنتشر الشحاتة بشكل لافت في الأسواق والأماكن العامة. يعتمد الاقتصاد الجورجي على صناعات النبيذ والسياحة والزراعة والصناعات الخفيفة، ويظهر من خلال انتشار المطاعم والمصارف والمنتجات الإيرانية وجود جالية كبيرة من الإيرانيين الذين يعملون في تبليسي هذا الى جانب جاليات عربية وخاصة من جمهورية مصر العربية، وتتواجد المطاعم العربية والتركية والهندية بشكل واسع في كل من أذربيجان وجورجيا . تعد مدينة مسخيتا والتي تبعد حوالي ٢٠ كلم عن العاصمة تبليسي واحدة من أهم المدن الجورجية لما تحتويه من معالم تاريخية وكنوز حضارية تعبر عن إرث إنساني مزدهر ما حدا بمنظمة اليونسكو إلى ضمها الى التراث العالمي، ثانيا : موقعها الاستراتيجي على التقاء نهري متكفاري واراكفي ووقوعها على الطريق القديم، ثالثا : لأنها كانت مكانا للتويج الكنسي ومقبرة للملوك الجورجيين هذا فضلا عن مركزها الديني الوثني قديما والمسيحي بعد ذلك … لذا كانت زيارتنا لها من أولويات برنامجنا السياحي، أخذنا مرشدنا السياحي إلى كاتدرائية سفيتيخو فيلي وهي واحدة من التحف المعمارية الفريدة التي بنيت في القرن الحادي عشر وعدت مركزا دينيا للبلاد، ويحتوي المجمع الكنسي في داخل السور التاريخي المهيب على عدد من البوابات وأبراج للحراسة ومساكن لرجال الدين ويقال بأنها تحتفظ على عباءات المسيح والنبي ايليا وبها مقابر الملك فاختانع جالسيلي، لم نتمكن للأسف من الدخول إلى مقر الكنيسة لتوافق وصولنا مع موعد الصلاة لأتباعها من الأرثوذكس، الذين لا تسمح لهم عقيدتهم بالسماح للسياح لدخولها وقت الصلاة، أخذنا جولة في ازقة المدينة الجميلة واستمتعنا بمنظر النهر المتدفق نحو عشرات القرى والمدن القديمة والحديثة التي وهبها الحياة والبقاء وكانت ولا تزال مزدهرة بفضل تدفق مياهه منذ الأزل. كانت زيارتنا التالية إلى دير جفاري الأرثوذكسي الذي بني في القرن السادس الميلادي على تلة تشرف على المدينة من الحجارة الضخمة وظل محافظا على شكله ومتانة بنائه ويقوم بدوره الديني حتى اليوم، المنظر من القمة ومشاهدة معالم مسخيتا والتقاء النهرين اراكفي ومتكفاري والسهول الخضراء المحيطة به يسلب الألباب ويحفز على التقاط المزيد من الصور التذكارية. في طريقنا إلى مدينة جوري موطن الزعيم السوفييتي الشهير جوزيف ستالين كان لا بد من المرور على مدينة الرب وهي واحدة من أعاجيب هذا البلد السياحي المدهش التي نحتت داخل الصخور الجبلية وشيدت في القرن السادس قبل الميلاد وكانت مركزا تجاريا هاما وقد أكتشف علماء الآثار فيها أكبر مبنى أطلق عليه اسم تمارس دربازين وهو قاعة كبيرة تضم أعمدة حجرية ضخمة مخصصة كمركز لعبادة النار قبل المسيحية، صعدنا الى سفح الجبل عبر عشرات السلالم المعدة لمساعدة السياح لبلوغ المدينة القديمة التي تتشكل من عدد من الغرف والقاعات والمخازن وخزانات المياه وكنيسة بنيت على مساحات مرتفعة من الجبل وكلما واصل السائح سيره الى الاعلى اكتشف أجزاء جديدة من هذه المدينة التحفة التي تعزز من مكانة السياحة وتشجع السياح لزيارة جورجيا. في مدينة جوري اطلعنا على النصب التذكاري للزعيم السوفييتي ستالين وبقايا منزله القديم الذي ولد فيه، ومتحفا كبيرا يضم الكثير من وثائق وأعمال ومقتنيات وحياة هذا الزعيم الجورجي الحديدي الذي ولد وعاش طفولته في جوري واذاق الشعب الجورجي الكثير من الويلات والعذابات طوال سنوات حكمه التي بلغت حوالي العقدين قتل خلالها بسبب سياساته وجبروته وقبضته الحديدية ما يقارب من المليونين في سلسلة من المجاعات والملاحقات واغتيال المعارضين والحروب، ولكنه تمكن في المقابل من تحويل الاتحاد السوفييتي من بلد يعتمد اقتصاده على الزراعة الى مجتمع صناعي تنافس صناعاته الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا وحول روسيا المتخلفة الى قوة عظمى عالمية، وكان له الفضل في دحر القوات النازية والحاق الهزيمة بها في معركة ستالينغراد التي قتل فيها مليوني انسان وعلى ضوء نتائجها تحول مجرى الحرب العالمية الثانية. في مسيرنا من تبليسي الى سغناغي مدينة النبيذ والحب، كانت القرى الجميلة تتناثر على طول الطريق والباعة يعرضون منتجاتهم من الاجبان الطازجة واللحوم والفواكه والخضار والعسل والبندق والجوز التي تنتجها مزارعهم، والطبيعة تتشكل بين سهول ومراعي خضراء تسرح فيها عشرات القطعان من الماعز والبقر والخيل وجبال جرداء وجداول تنساب بين الغابات ترفد الانهار وتسقي الأرض وحقول تستقبل صباحا آلاف المزارعين الذين يحرثونها ويزرعونها استعدادا لموسم زراعي يستثمر فيه الملاك والمزارعون المال والجهد أملا في عائد يكفيهم مصاريف عام كامل. في المقهى الخشبي المنتصب في سفح جبل شامخ واطلالة بانوراميه على مواقع تلتحف بساطا أخضرا احتسينا أكواب القهوة والشاي، صاحب المقهى شاب استثمر الموقع السياحي وأنشأ كشكه الخشبي من منتجات الطبيعة، وأعد القهوة والشاي ومشروبات ساخنة مختلفة تستقبل السياح، وعلى ما يدره كشكه من مال وتبرعات المعجبين بمثابرته وإخلاصه في عمله وترحيبه المريح بضيوف جورجيا يستعد للزواج وبناء مستقبله، إنه نموذج للإنسان المجتهد والذكي الواعي بأهمية السائح ومسئولية الشباب في استثمار هذا القطاع الحيوي بتوليد فرص وظيفية تغنيهم عن مذلة السؤال وتضييع سنوات في البحث عن وظيفة قد لا تأتي . مدينة تيلافي(Telavi) هي العاصمة الشرقية لجمهورية جورجيا تحرسها جبال القوقاز التي يكسوها بياض الثلج، وموطن الكثير من مصانع النبيذ وتضم عددا من المتاحف والكاتدرائيات والاديرة والقلاع القديمة، أخذنا جولة في مجمع (Tsinandali) الذي ضمه الشاعر الجورجي الشهير الكسندر شافشافاد إلى أملاكه، (Alexandre chavchavadaze) . يتكون المجمع من حديقة خلابة زرعت بألف نوع من الأشجار والنباتات التي جلبت من جميع أنحاء العالم، وبه أقبية من أجود أنواع النبيذ، وتم تحويل بيت الشاعر النبيل الذي ينسب وصول اول بيانو الى جورجيا عن طريقه إلى متحف تعرض فيه مقتنياته وآثاره القديمة وأعماله الشعرية وصوره والعديد من الوثائق التي تحكي حياته الحافلة بالعطاء الثقافي . سغناغي كيف لا تكون مدينة للحب وكل ما في هذه المدينة الحالمة الآسرة التي تقبع على عرش العالم يبعث على السعادة والفرح وكأن الزمن أعاد لزائريها ما افتقده كل واحد فيهم، الحياة والشباب والطفولة والصحة والقوة وهدوء النفس وطمأنينتها والإيمان، إنه الجمال يشع من كل زاوية وملمح من ملامح سغناغي المدينة البكر التي شيدت في قمم الجبال ومنها يرى الانسان السفوح الخضراء على امتداد البصر، الأزقة البديعة التي لا يمل الانسان من السير فيها والتي تجمع شتاتها وتوصل بين بيوتها الريفية الآسرة، سورها التاريخي المحيط بها إحاطة الأسورة باليد وابراجه التي ظلت قرونا تدافع عنها وتدفع الأعداء عن تدنيس ترابها المقدس، قلاعها المهيبة واديرتها القديمة، مواكب العرسان المتزاحمة عليها لتستمد من مدينة الحب الطاقة التي تمد الحياة الزوجية بالحب، سكانها الطيبون الذين ارتووا من حب مدينتهم حد الثمالة وهم يقدمون لزوارها دروسا قيمة في معاني وقيم الحب ودوره في سعادة الإنسان، الورود والزهور النادرة التي تفترش دروب المدينة وبساتينها الخلابة، المقاهي التقليدية التي تنتشر في الساحات والأزقة وتطل على السفوح والجبال والقرى والحقول الخضراء …. إنها المكان المثالي الذي يشعر فيه المثقل بالهموم المتعب من مشاكل الحياة بالهدوء والراحة والدعة والصفاء، حيث التناغم والانسجام بين الجسد والروح، إحساس عميق بالاسترخاء والتحرر من صخب الحياة والحب في مدينة الحب التي لم ير جورجيا من لم يزرها . في محطتنا الأخيرة عرجنا لزيارة دير (بودبي) والذي يضم رفات القديس نينو مبشر المسيحية في جورجيا، ويعتقد سكان المنطقة بأنه يحقق أمنياتهم بزيارتهم لقبره والدعاء عنده . تحاورنا في الموقع مع سياح من إسرائيل يتحدثون اللغة العربية، كانت أمنياتهم أن يتحقق السلام بين العرب وإسرائيل، علقنا على أمنياتهم بالتأكيد على أنها في يد حكومتهم التي لم تترك مجالا للسلام الا وأدته بسياساتها العنجهية وممارساتها القهرية بحق الشعب الفلسطيني والحقوق العربية والمقدسات الإسلامية. يشير السائق الى جبال القوقاز الممتدة أمامنا في سلسلة لا يبدو ان لها نهاية على أنها ملتقى الحدود بين جورجيا والشيشان وداغستان وبأن معظم سكان المدينة (كلوي) التي نسير في شارعها المتجه إلى تبليسي من اليهود.
أينما يكون المرء في تبليسي شرقا أو غربا شمالا أم جنوبا في قمة جبل او في السهل تشد انتباهه القبة الذهبية التي تتلألأ ليلا ونهارا لكاتدرائية الثالوث المقدس، موقعها الاستراتيجي على ضفاف نهر كورا، بناؤها الشامخ المهيب باعتبارها الأضخم في جورجيا ومنطقة القوقاز (وواحدة من كبرى الكنائس الأرثوذكسية على مستوى العالم)، تصميمها المعماري الأخاذ الذي يشد الانتباه كيف لا وقد استغرق بناؤها في حدود تسع سنوات من ١٩٩٥ وحتى ٢٠٠٤م، إنها صممت لتكون تحفة تبليسي وجوهرة معالمها التاريخية والحضارية التي تتضاءل أمام عظمتها وهيبتها، لذلك كانت زيارتها من الأولويات ضمن برنامجنا السياحي، اعتمد تصميمها على المزج بين الطراز المعماري التقليدي القديم لكنائس جورجيا ولمسات المعمار الحديث، وتضم الكثير من المرافق والغرف المخصصة للصلاة وخدمة رجال الدين كمصلى الملائكة وسانت جورج، كانت الكاتدرائية تغص بالمؤمنين من اتباع العقيدة الأرثوذكسية والعصاة الذين أتو من كل حدب وصوب للاعتراف بذنوبهم ومعاصيهم وهم يسحون دموع الندم، هي رحلة بحث عن الطمأنينة المفقودة في بيت الرب واستعادة سكينة سلبتها حياة تلوثت بقذارة المعاصي وشرور النفس الأمارة بالسوء، هي صحوة ضمير تأخذنا في نهاية المطاف إلى الله طائعين معترفين خاضعين تائبين مستغفرين نناجيه بأصوات ولغات وتراتيل وطقوس مختلفة، مسجد ، كنيسة، دير، معبد، محراب … تتعدد المسميات والله هو الواحد الصمد رب هذا العالم وخالقه، وجميع البشر تتوق الى رضاه وتسجد لوجهه الكريم، ماذا فعل كل هؤلاء الذين يمسكون مناديلهم يمسحون بها دموعهم الغزيرة ويضعون رؤوسهم بين أيديهم والندم ظاهر على وجوههم المحرومة من البسمة والبهجة وحياتهم كما يقرأها من يشاهدهم تفتقد الطمأنينة والراحة والخوف باد عليها، كل واحد منهم يحمل سره وعذاباته وهمومه وهم بين خوف ورجاء، ولكنهم اليسوا أمام الله الرحمن الرحيم غفار ذنوب من لجأ إلى بابه نادما تائبا ؟ . من أهم المعالم التي يتضمنها البرنامج السياحي لتبليسي وينصح بزيارتها، برج الساحة الذي بناه أحد أهم الشخصيات الثقافية في جورجيا فهو الى جانب أنه نحات ورسام وكاتب فقد كان كذلك مخرجا مسرحيا وسينمائيا وعرف بسيد الدمى إنه ريزوغابريادز، تحيط ببرج الساحة آثار ومعالم ومنازل وكنائس قديمة جدا بعضها ما يزال يحتفظ بطابعه المعماري الموغل في الماضي يشد انتباه السائح الذي يضطر إلى الوقوف والتأمل كثيرا، تتناثر المقاهي والمطاعم في الأزقة القديمة مضيفة لمسات جمالية على المكان، في كل ساعة يمكن مشاهدة الملاك رنين الجرس الصغير مع مطرقة يخرج من شرفة البرج ليعلن انقضاء ساعة من الزمن، يقع برج الساعة بالقرب من كنيسة وشارع شافنيلي. يبقى ذهن المسافر في حالة دائمة من اليقظة، عشرات المواقف والصور والمشاهد والمعالم والممارسات التي تحفز على التفكير وتدعو إلى طرح الأسئلة والاجتهاد في الإجابة عليها ورصد وتوثيق مشاهداته … لذلك يظل السفر واحدا من أهم مصادر المعرفة والثقافة وتعزيز الوعي والانتصار على المسلمات الخاطئة .

سعود بن علي الحارثي
saud2002h@hotmail.com

إلى الأعلى