الثلاثاء 24 أكتوبر 2017 م - ٤ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / خلافات (1)

خلافات (1)

أ.د. محمد الدعمي

انتقيت لفظ “خلافات” عنوانًا لهذه المقالة بسبب انطواء اللفظ على دلالتين، هما: (1) اختلافات أو تباينات رأي؛ و(2) جمع لفظ “خلافة”، أي دولة الإسلام بعد وفاة الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم). الدلالتان تنطبقان على هذا الموضوع الحساس والمثير للجدل الذي راح يطفو على صفحات الإعلام الغربي على نحو مكثف، حتى أخذ المتابعون هناك بالعودة إلى المعاجم لمعرفة معنى لفظ caliphate، خلافة. لذا أجد ضرورة لمناقشة هذا الموضوع المهم اليوم، خاصة بعد أن أعلن شاب من سكان سامراء، أطلق على نفسه اسم “أبو بكر البغدادي”، خليفة للمسلمين من “ولاية الموصل”!
لم يكن نظام مؤسسة الخلافة نظامًا موحدًا عبر التاريخ قط، فقد افتقر لعناصر الاتساق والتجانس، خاصة بعد ظهور ثلاث دول خلافة رئيسة بعد وفاة الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) إثر تمهيد دولة الخلافة الراشدة الأولى الطريق لدول الخلافة التالية، ومنهما اثنتان عربيتان وواحدة تركية، وهي، حسب التسلسل: (1) دولة الخلافة الراشدة آنفة الذكر: وكانت جمهورية صرف، فحكمها أربعة خلفاء، هم: أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان والإمام علي بن أبي طالب (رضي الله عنهم جميعًا)؛ (2) دولة الخلافة الأموية وكانت ملكية وراثية؛ (3) دولة الخلافة العباسية، وكانت ملكية وراثية كذلك؛ (4) دولة الخلافة العثمانية، ملكية وراثية أيضًا، وهي الأخيرة، حيث إنها سقطت سنة 1924م. وكما لاحظنا أعلاه، فقد جسدت دول الخلافة غياب الاتساق والتجانس عبر المراحل التاريخية أعلاه: لقد بدأت دولة الخلافة “جمهورية” النظام لأن الخليفة كان ينتخب من قبل أغلبية المسلمين أو، بالأحرى، من قبل أغلبية نخبة الصحابة البارزين عبر نظام انتخاب مبسط عُرف بــ”المبايعة”. وبعد نهاية هذه الخلافة المثالية المبكرة، انقلبت مؤسسة الخلافة إلى النظام الملكي، فصارت الخلافة هي دولة السلالة الأموية الوراثية حيث يخلف الابن أباه على “العرش”. وقد تواصل هذا النظام الوراثي حتى نهاية دولة الخلافة في التاريخ المذكور أعلاه.
ومن ناحية ثانية، بدأت الخلافة عربية حصرًا، بل إن بعضهم اجتهد بوجوب أن يكون الخليفة من قبيلة قريش، أي قبيلة النبي (صلى الله عليه وسلم)، بمعنى أنها كانت محرمة على “الموالي”، أي سوى العرب من المسلمين. لذا أسقط العثمانيون الترك هذا الشرط العربي التمركز لتبرير هيمنة سلالتهم التركية الوراثية على الخلافة، وهي حال كانت قد جسدت انتهازية بعض رجال الدين حقبة ذاك الذين ساعدوا السلالة العثمانية على تحقيق مأربها من خلال إيراد وتقديم المبررات الفقهية التي تسمح لسوى العرب أن يتولوا الخلافة، مقدمين دليلًا آخر على عدم وجود تقاليد ثابتة لإدارة “دولة الخلافة”. ومن بين الشروط المسبقة الأخرى لتسنم سلطة الخليفة هو أن يكون الخليفة رجلًا راشدًا (فوق سن 18) وسليمًا عقليًّا، زيادة على التأكيد على سلامته الجسدية، إذ لا يسمح بأن يكون معوقًا، كأن يكون بصيرًا، زيادة على وجوب أن يكون رجلًا معروفًا بالتدين والزهد وحسن السيرة.

إلى الأعلى