الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / حرب الإبادة .. المقدسة؟!!

حرب الإبادة .. المقدسة؟!!

علي عقلة عرسان

بسبب العدوان الصهيوني الهمجي المستمر على غزة، وهي حرب الإبادة العرقية بامتياز ضد شعب محاصر منذ ثماني سنوات .. قطعت بوليفيا وفنزويلا وكوبا علاقاتها الدبلوماسية مع “إسرائيل” واستدعت البرازيل والإكوادور وتشيلي والبيرو والسلفادور سفراءها في الكيان الصهيوني للتشاور .. وفي هذا العدوان الذي دخل يومه الخامس والعشرين، وسقط فيه حتى فجر يوم الجمعة الأول من آب/ أغسطس 2014م من ضحايا القصف الفلسطينيين 1441 شهيدًا و7845 جريحا، ووقعت فيه مذابح مثلما في حي الشجاعية على الخصوص ومدارس الأونروا التي تعرضت للقصف ثلاث مرات ووقع فيها الكثير من الضحايا .. في هذا كله لم يدن مجلس الأمن الدولي الكيان الصهيوني، ولم يشر إلى ما ارتكبه من مذابح بكلمة “تجرح مشاعر الإسرائيليين”، واكتفى يوم الخميس الـ31 من يوليو/ تموز بدعوة إلى “وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار في قطاع غزة”، مطالبا بـ”هدنات إنسانية لإغاثة السكان”؟! ومع أن رفع الحصار المميت المفروض على القطاع منذ ثماني سنوات من الواجب رفعه، وتلك مهمة من مهام مجلس الأمن الدولي إلا أن ذلك لم يرد شرطًا، ولم يرد في مجرد إشارة أو تصريح .. وحتى المذابح التي جرت في مدارس الأونروا في غزة لم يشر إليها .. مع أنها “قصف منشأة تابعة للأمم المتحدة تؤوي مدنيين أبرياء يفرون من العنف غير مقبول بالمرة ولا يمكن الدفاع عنه على الإطلاق”، كما قال متحدث أميركي رسمي للصحفيين هو جوش أرنست.
فشكرا لدول أميركا اللاتينية على موقف مبدئي ـ أخلاقي ـ إنساني متميز، اتخذته في وجه العصفة الهمجية للصهيونية، وشكرًا للرئيس البوليفي ايفو موراليس الذي أعلن في الحادي والثلاثين من شهر تموز/ يوليو 2014م قال في موقف دولة يسجل له: “نعلن إسرائيل دولة إرهابية” لأن عدوانها على غزة “يظهر أنها لا تحترم مبادئ الحياة والحقوق الأساسية التي ترعى التعايش المشترك السلمي والمتآلف لأسرتنا الدولية”، وفي موقف الرئيس موراليس هذا إضافة حقيقية إلى أخرى سبق وقررتها الأمم المتحدة في قرار الجمعية العامة يحمل الرقم 3379، الذي اعتمد في 10 نوفمبر، 1975م بتصويت 72 دولة بنعم مقابل 35 بلا (وامتناع 32 عضوًا عن التصويت)، وينص القرار على “أن الصهيونية هي شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري”. وطالب القرار جميع دول العالم بمقاومة الأيديولوجية الصهيونية التي تشكل خطرًا على الأمن والسلم العالميين”. والحقيقة التي أعلنها الرئيس موراليس نتداولها ونكررها منذ عقود هي أن هذا الكيان الذي قام على الإرهاب في أربعينيات القرن العشرين ما زال مستمرًّا في ممارسته للإرهاب حتى اليوم .. لكن أن يؤكد اليوم رئيس دولة في أميركا اللاتينية هذه الممارسة الإرهابية المتجلية حقيقة ثابتة فهو أمر يستحق التسجيل والتقدير لا سيما بعد أن دفنت بعض الدول العربي التي تلتقي مصالحها اليوم مع الكيان الصهيوني، تلك الحقيقة، وحاولت سابقًا نفي صفة العنصرية عن الكيان الصهيوني حين شاركت يوم الـ16 من كانون الأول/ ديسمبر 1991م في تصويت على القرار 46/86 الذي “يلغي” القرار 3379 لكن الجدير بالملاحظة أن القرار 3379 لم يلغَ بنص وإنما طُمس وعطله أو “جمَّده” القرار 46/86 الذي شاركت في اتخاذه دول عربية منها السلطة الفلسطينية بعد مؤتمر مدريد، لأنه كما قال في حينه الأميركي صاحب الأمر والنهي: “لقد آن الأوان لإزالة كل ما يغضب إسرائيل”؟! .. وعلى من يحاولون القول اليوم بإعادة القرار 3379 أن يعملوا على إلغاء القرار 46/86 لأن القرار 3379 لم يلغ بالنص. ويبدو أن العبارة/ الأمر الأميركي بـ”إزالة كل ما يزعج “إسرائيل”.
ما زالت تشكل إرادة أميركية مطلقة ودائمة ومستمرة، ويشارك في تنفيذها عرب من العرب اليوم لإزالة غزة والمقاومة الفلسطينية فيها، واجتثاث المقاومة الفلسطينية بعد نزع سلاحها لأنها “تزعج إسرائيل أو تشكل قلقًا لها”!؟ ولم يأتِ اليوم الذي تمنى الإرهابي شارون مجيئه لتصبح غزة وقد ابتلعها البحر هي ومن فيها من المقاومين الذين يزعجونه، بل هو الذي ابتلعه البحر .. ولا يمكن أن يجيء مثل هذا اليوم على غزة ، فأضغاث أحلام الإرهابيين هي كوابيسهم الدائمة .. لكن يمكن أن يأتي يوم على الكيان الصهيوني لن يكون فيه موجودا، حسب تقديرات وتقارير ودراسات لشخصيات ومراكز أجهزة استخبارات أميركية .. وقد جاء بهذا الصدد: “قول هنري كيسنجر المعروف بتأييده وبدعمه المطلق للكيان الصهيوني: إنه بعد عشر سنوات لن تكون هناك دولة الكيان”، وسبق لمائير داغان رئيس جهاز الموساد سابقا أن قال عام 2012م: “نحن على شفا هاوية، ولا أريد أن أبالغ وأقول كارثة، لكننا نواجه تكهنات سيئة لما سيحدث في المستقبل”.
غزة تحت النار، ويخوض فيها الصهاينة حرب إبادة ضد الشعب الفلسطيني، ويزعم وحوشها الذين يخوضون بدم الأطفال الفلسطينيين في الشجاعية ومدارس الأونروا أن “الله يساعدنا في ساحة المعركة” كما قال العقيد عوفر فينتر قائد لواء جفعاتي؟! فهي حرب دينية استئصالية مقدسة، حرب “يهوة” المشبع برائحة الدم على الغوييم، وفيها كما في أساطير اليونان القديمة يرى المعتدون الغزاة أن آلهتهم تنزل لتقاتل إلى جانبهم وتنصرهم .. تمامًا كما في أقدم الوثنيات البائدة التي كانت تشن حروبها باسم آلهة وتحت رعايتها، يشن اليوم الكيان الصهيوني اليوم حربه المقدسة “حرب الإبادة” على غزة .. في ظل ما يرى بعض المتابعين أن “هناك التقاء بين مصالح حكومات عربية وبين مصالح إسرائيل التقاء واضحًا”.. وهو في منحى ما أشار إليه كاتب في “نيو يورك تايمز” بقوله: “لم أر أبدًا وضعًا كهذا، يقبل فيه الكثير من الدول العربية القتل والدمار الدائر في غزة وكذلك ضرب حماس .. صمتها، يصم الآذان”!!
غزة يستهدفها الكيان الصهيوني من بوابة استهداف المقاومة الفلسطينية، والمقاومة تُستهدَف في غزة من بوابة “حماس”، وحماس تستهدَف من بوابة “الإسلام السياسي” الذي أخذ يلخَّص عند البعض في الإخوان المسلمين .. وهذا الاستهداف المتداخل، أو المنتشر أفقيًّا من دون تمييز، يخلق أوضاعًا وعلاقات معقدة إلى أبعد الحدود، ويقيم معادلات صعبة على الفهم والهضم فضلًا عن الحل، مما يجعل الصراع الدموي في منطقتنا يزداد حدة وضرارة، ويجعل منعكساته على الوطن العربي وعلى الأمتين العربية والإسلامية مدمرًا .. فبعض العرب وبعض المسلمين يصوغون معادلات سياسية صعبة أو هي مستعصية على الفهم والحل، ولا تكون المعادلات على هذا الحال إلا إذا كان هناك خلل في أحد طرفيها، فكيف إذا أضيف إلى الخلل عجز في استخدام المنطق الرياضي في هذا المجال؟! .. وحين يدخل الكيان الصهيوني طرفًا وشريكًا في تركيب معادلات بعض العرب والمسلمين ويدخل حلفاؤه ممن يستهدفون العروبة والإسلام “عقيدة وثقافة ووجودًا” .. وحين يدخل في تركيب تلك المعادلات السياسية خليط عجيب من هذا النوع .. يغدو من غير الممكن فهم الحال على أية صيغة وأي منوال، ويكفهر الوضع السياسي والاجتماعي في كل مجال، وتضيق فرص العيش ومساحات الأمل أمام الناس، وتتحول المعاناة إلى كوارث، ويصبح من شبه المستحيل حل تلك المعادلات استنادًا إلى العقل والمنطق الرياضي .. ويصبح الصراع مفتوحًا على مداه وبكل أنواعه وتحت كل الشعارات والمفاهيم والرايات .. ابتداء من الصراعات السياسية “الأُسرية والحزبية والعشائرية والعرقية والطائفية والمذهبية.. إلخ، المفلتة من كل شرعية وشريعة ومدنية وقوانين .. وانتهاء بالفتن المذهبية وإمارات الحرب، والصراعات الإقليمية والدولية، ومخططات الإبادة العرقية التي يتقنها العنصريون الصهاينة، ومن يمارسون إرهاب الدولة مثلهم من دول الاستعمار والعنصرية والإرهاب، إرهاب الجُملة وإرهاب المفرَّق، أو “إرهاب الإمبراطور “أميركا” وإرهاب اللصوص” كما قال تشومسكي يومًا.
فللنظر إلى بعض المعادلات القائمة أو تلك التي قامت في وطننا، وهي من النوع الصعب، أو من النوع العصي على الفهم والحل في المجتمع الواحد أو الأمة الواحدة كما هو وضعنا نحن العرب:
ـ إسلام “لا سياسي” ضد إسلام سياسي .. والإسلام الذي يستوعب الطرفين حكمًا يقف متفرجًا على نزفه وإضعافه وتشويه مفاهيمه وأحكامه وقيمه وصورته، وعلى الاقتتال تحت رايته .. ويظل ساكتًا عن كل من يمتشق سيفه ومن يتكلم أو يستعدي باسمه، ومتفرجًا على من يستعدي عليه وعلى رسالته ورموزه وأبنائه ..؟! وفي طرفي المعادلة دول أعداء للإسلام والمسلمين، ودول تحتل أرض مسلمين وترهبهم وتقتلهم، ودول تستثمر في العداوات والصراعات الناشبة فيما بينهم، وهناك أطراف تلعب في ساحة الطرفين لتبقى النار مشتعلة وتبقى فوائدها من تلك الحرائق متحققة.
ـ إسلام ضد القومية، “العربية أو غيرها”، وقومية ضد الإسلام ولا أقول ضد الدين .. لأن بعض من قالوا بذلك من علمانيين وغير علمانيين، ثبت أنهم من ذوي الوجه والقناع، الظاهر والباطن. وكل فريق من أولئك كان يستعدي على الآخر دولًا وقوى وأفرقاء، ويتحالف ضده حتى مع الشيطان؟! .. ومعظم المسلمين وغير القوميين، سواء أكانوا عربًا أم من غير العرب، يقفون متفرجين على دمهم يُراق وضعفهم يستشري، وعلى عدوهم يخترم أعمارهم ويخترق صدورهم وقلوبهم برماحهم ورماحه .. ثم يقبض منهم ثمن القتل والتشييع والدفن والقبر؟!
ـ تقدمية ضد رجعية، أو رجعية ضد تقدمية لتحقيق ماذا؟ نهضة قومية أو وحدة عربية، أو تحرير وتحرر، أو طفرة حضارية أو.. إلخ، وكل يشحذ فكره وسلاحه ضد شريكه في الانتماء والمواطنة، ويستعدي أنصاره ويخوض حرب الأمة ضد الأمة، من دون معيار وسقف صحيح حاكم ومحكوم بمصلحة الشعب والبلد والأمة ووضع ذلك فوق كل خلاف ومقياسًا لكل إخلاص ونجاح وفلاح .. الأمر الذي نتج عنه ـ أو بالأحرى كان هو في كثير من حالاته نتيجة ـ لتدخل قوى خارجية وللدخول في تحالفات وولاءات وتحزبات وأيديولوجيات سببت حروبًا دامية في ظل الحرب الباردة، وحروبًا باردة مستمرة في وطن العرب وبين أبناء الأمة الواحدة فرقتها وأنهكتها وما زالت مستمرة، تحت شعارات، وعملًا بأيديولوجيات وأنظمة وسياسات اقتصادية و”ثقافات مهيمنة”؟! سقطت بكل الأبعاد والمعاني في مراكزها العالمية وفي بيئاتها ومجتمعاتها الحاضنة لها .. ولكنها ما زالت في بعض المواقع من وطننا العربي قائمة تفتك بمجانية واستعلاء وجهل وغباء .. والعجب العجاب أن سدنتها خشب مسندة، وأموات يحسبونهم فيما يشبه السبات، يستندون إلى منسأة كمنسأة سليمان الحكيم الذي شبع موتًا وهو يستند إليها حتى قرضها الدود وتهاوت فهوى ..؟! وكالعادة هناك كثرة من أبناء الأمة تتفرج وكثرة من الضحايا يسقطون، وهناك من ينغمس في الصراع، والأمة تضعف وأعداؤها يتسلطون عليها ويبتزونها ويستفيدون من ضعفها ويستثمرون في الصراعات التي تدور داخلها، ثم يمزقونها تمزيقًا ومع ذلك لا تجد من معتبر؟!
وفي ظلال تلك الانحيازات والصراعات تنبت انحيازات وصراعات فرعية ذات تشعبات كالفطريات، وكلها تنذر بآفات وتسفر عن آفات .. هناك أقطار تشبع موتًا وتعيش في البؤس والشقاء والظلم لتحيا، بزعم الزاعمين أخرى، وما في ذلك سوى الموت .. وهنا غزة بؤرة نار، وأرض حصار .. ومن يترك غزة لمصيرها ولمسلسل الإبادة العرقية الذي ينفذه الصهاينة ضد أهلها، ويتوقع في ذاك نصرًا لا يرى فيه لنفسه العار، مع أنه العار كل العار، نقول لا تفعل، ولا تترك العدو يعبث بنا جميعًا، ولا تترك مفتاحًا للخروج من محن الأمة بيد من يتملص من الانتماء إليها، فكلنا أبناؤها، والأيام يوم لك ويوم عليك. من غير الجائز ولا من الوطني والقومي والإسلامي والإنساني أن تترك غزة للإبادة، ولا يليق بنا أن يتحرك الأميركي اللاتيني في أقصى الأرض ليتحسس جرحها ويعلن موقفًا بوجه الإرهاب والإبادة اللذين يفترسانها، وأن يبقى العرب في الصمت وفي ما هو أبعد من التواطؤ، بذريعة الحرب على .. على من ..؟! عند تحكيم العقل والضمير ومعاني الشراكة في الوجود والمصير: “كلنا الأمة” من دانيها لقاصيها وبكل ألوان الطيف فيها، وضعف فريق منها ضعف لها .. لنا”.. هي حرب عدوانية استئصالية يشنها عدونا التاريخي علينا، على أمتنا وعقيدتنا وديننا .. على هويتنا وثقافة وثوابتنا القومية وقضايانا المركزية على قوانا الحية وأهدافنا الحيوية .. فانتصار الصهاينة في أي موقع هزيمة لنا جميعًا، لمن تعصب منا للعروبة ولمن تعصب لٌلإسلام، لمن حمل راية الإسلام ضد مسلم، أو راية المسلمين ضد الإسلام ..
هنا واليوم في غزة هاشم التي تُذبح بوحشية على أيدي الهمج .. هنا واليوم حرب الهمجية والعنصرية والإرهاب على المدنيين والأخلاق والقيم والحضارة والدين .. على أي دين!! .. فهل ترانا نسكت ونشمت ونتفرج وننتظر، أم تتحرك فينا إنسانيتنا على الأقل كما تحركت إنسانية في دول وشعوب وشخصيات من أميركا اللاتينية، وفي مناطق أخرى من العالم؟! ألا أفيقوا من سباتكم أيها العرب، أيها المسلمون، أيها البشر .. ألا وتحسسوا جراحكم، ولا تنسوا إخوانكم ولا ذويكم، فإجرام العنصريين ـ الإرهابيين ـ الصهاينة بلا حدود، وهم يعلنونها علينا حرب إبادة مقدسة، بزعمهم، حرب يقودها ويساعدهم فيها “يهوة” رب الجنود الذي يتعشَّق رائحة الحرائق والدماء المهَراقة، كما ذكرت توراتهم .. ألا أفيقوا لنحمي أنفسنا وأطفالنا، فهذا حق لنا وواجب علينا؟!

إلى الأعلى