الخميس 21 نوفمبر 2019 م - ٢٤ ربيع الاول ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شذرات من هدى القرآن

شذرات من هدى القرآن

الـصـوم وأثـره في النفـس (20)
الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلين وخاتم النـبيين وإمـام الـمتـقـين وحجـة الله رب العـالـمين وعـلى آلـه وأصـحـابه أجـمعـين، وعـلى الـتابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـلا زال الحـديث مـوصـولاً عـن الـصيام وأثـره في الـنفـس، ومـثال ذلك قـول الله:(إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (الأعـراف ـ 194)، وقـوله تعالى:(إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ) (فاطـر ـ 14)، أي: أن الله يحـذرهـم أن يـوجـهـوا دعـاءهـم لـمـن لا يـمـلك الإجـابة.
فـكأن الـداعي قـد يأخـذ صـفـة لـيـدعـو بها غـير مـؤهـل للإجـابة، لـذا فـواجـب عـلى الـدعي أن يـخـتـار مـن يـدعــو، فإذا دعـا غــير الـقـادر عـلى الإجابة خاب وخسـر، وإذا اخـتـار الـقـادر عـلى الإجـابة فـاز وربـح.
والله هـو الـقـادر عـلى إجـابـة الــدعـاء، وهـو الـذي قال وقـوله الحـق:(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ)، إما إذا ذهـب فـدعـا غـير الـقـادر عـلى الـوفاء، فالله لـيس مـسؤولاً عـن عـدم إجـابـة دعـوته.
إن الله يـريـد أن يـعـلـمـنا أن الإنـسان يـدعـو بالخـير لـنـفـسه، وأنـت لا تسـتـطـيع أن تحـدد بـدعـائـك هـذا الخـير، لأنـك قـد تـنـظـر إلى شيء مـا عـلى أنه هـو الخـير، وفي حـقـيـقـة الأمـر هـو الـشـر، لـعــدم عـلـم الـبـشر الـقاصـر أنـه هـو الـشـر، ومـا دمـت تـدعـو ولكـنـك قـد تخـطيء الـطـريـق في طـريـقـة الـدعـاء، ولأنـك لا تـعـلـم ولا تـدرك بـفـهـمـك الـقاصـر أن الـدعـاء الــذي تـدعـو أو هــو خــير أم هـو شـر، أو قـد تسـلك طـريـقاً غــير الـطـريـق التي تـوصـلك إلى ذلك الـخــير، ولا تـخـذ الـوسـيلة ولا تـسـلـك الـطـريـق الـمـوصـلة إلى الخـير.
أنـت تحـب الخـير ولا جــدال في ذلك، لـذلك تـكـون إجـابـة ربـك إلى دعـائـك هـي عـدم إجـابة دعـوتـك، إن كـنت لـم تصـادف الخـير بالـنسبة لك، ولـذلك يجـب ألا تـفـهـم أنـك حـين لا تجـاب دعـوتـك، كـما قـد قــدرت ورجـوت وطـلـبت وتأمـلـت وأن الله لـم يـستجـب لك فـتـقـول: لـماذا لم يـسـتجـب الله لـي؟.
إذن: فإن كـنت مـؤمناً حـقـاً، فاعـلـم أن الله قـد اسـتـجاب لك، ولـكـنه (رحـمة بـكـم) قـد أزال عـنـك حـمـق الـدعـوة، وأزال عـنـك ما تجهـل بأنه ــ لـو أجـابك لكانت الإجابة شـرّاً لـك.
فالـذي تـدعـوه حـكـيـم عـلـيـم بـما فـيه الخـير لـك، فـيـقـول: أنـا سـأعـطـيـك الخـير، والخـير الـذي أعـلـمه أنـا، لا الـذي تطـلـبه أنـت، وهـو فـوق الخـير الـذي تعـلـمه أنـت، ولـذلك فـمـن الخـير لك ألا تـجـاب دعـوتـك هـذه، وقـد تـكـون الـدعـوة الـتي تـدعــو بـهـا ، ظـاهـرهـا خــير وباطـنهـا شــر، فـحـين تـدعـو الله ، فالله يـعـلـم وانـت لا تعـلـم، فـكـل أمـر دعـوتـك إلـيه سـبحانه وتعـالى.
فـائدة: وصية إفـصاح بغـالب الأحـوال ممن يعـد من الأبـدال، قال الحسن البصري: ما أعـطي رجـل شيئاً مـن الـدنيا إلا وقـيـل له خـذه ومثـله مـن الحـرص، وقال: أشــد الناس صـراخا يـوم الـقـيامة: رجـل ســن ضـلالـة فاتـبـع عـلـيها ورجـل استعـان بنعـم عـلى معـاصيه.
ثـم نـنـتـقـل إلى الـفـرق بـين الـعـبـاد والـعـبـيـد: كلـنـا عـبـيـد ولـيـس كلـنا عـبـاد، قال تعـالى:(وَعِبَادُ الرَّحْمَـٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا، وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا، وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا، إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا) (الـفـرقـان 63 ـ 66)، هــذه بعـض صـفـات عـبـاد الـرحـمن.
لأن الـعـباد هـم الـذيـن اخـتاروا الانـقـيـاد لله في كل أمـورهـم، مـفـوضـين أمـرهـم لله تعالى، لـذلك تجــد عـبـاد الـرحـمـن مـنقـاديـن مـع الـجـمـيع في أمـر أن واحـداً، لا يتـحـكـم أحـدهـم متى يـولـد، ولا متى يـمـوت، ولا كـيـف يـوجـد ولا يـن يـولـد ولا أين يـمـوت، ولا الحـالة التي يـوجـد عـلـيهـا، ولــذلـك تجـد عـباد الـرحـمن يـمتازون بأن الأمـر الـذي جعـل الله لهـم فـيه اخـتياراً.
ولأن الـعـبـيـد هـم الـذيـن يـقـهـرون في الـوجـود، كـغـيرهـم بأشياء يخـضـون لإرادة الله، لا يسـتـطـيـعـون الخـروج عـن أمـر الله، لـعـدم اسـتـطاعـتهـم لـذلـك، وهـناك مـن يخـتارون الـتـمـرد عـلى الله، ولـقـد أخـذوا اخـتيارهـم تـمـرداً وتـكـبـراً، وهــؤلاء هـم الــذيـن ينـطـبـق عـلـيهـم كلـمة:(عـبـيـد)، لأنـهـم لا يـمـلـكـون لأنـفـسهـم حـياة ولا مـوتاً ولا نـشـوراً.
وهـل جـاءوا إلى هــذه الـدنيـا بإرادتـهـم، وهــل اخـتـاروا أشـكالـهـم وصـورهـم، واخـتـاروا حـياتهـم حـسـب امـزجـتهـم، هـل لـما يـبـتـلـون بـبعـض الأمـراض يتـمـردون عـلى الـمـرض ويـقـولـون لا نـريـد أن نـمـرض، وهـل لـما يـفـاجـؤون بسـكـرات الـمـوت يتـغـلـبـون عـلى الـمـوت، إذا كـان كـل ذلك هـم خـاضـعـون لأمـر الله، فـهـل يـستـطـيعـون أن يـردوا قـضاء الله فـيهـم، فـكل تـلك الأسـباب هــم:(عـبـيـد).
وعـباد الـرحـمـن هـم الـذيـن أخـذوا منـطـقة الاخـتيار، وسـلـمـوهـا لـمـن فـهـم الاخـتـيار، وقالـوا الاخـتيـار لله، وإن كـنت مخـتارا إلا أنني أمنـتـك يا الله عـلى نفـسي ، وكـيف لا آمنك عـلى نفـسي وانـت الـذي خـلـقـتـني مـن عـدم ورزقـتـني مـن عـدم، ولا شـك أن الـعـباد هــم الـذيـن ردوا أمـر الاخـتيار إلى مـن وهـب لهـم ذلك الاخـتيار، ولـذلك وصفـهـم الله بـقـوله:(وَعِبَادُ الرَّحْمَـٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا، وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا) (الـفـرقـان 63 ـ 64).
.. وللحـديث بـقـية.

ناصر الزيدي

إلى الأعلى