الجمعة 23 أغسطس 2019 م - ٢١ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / نساء جليلات في عهد النبوة

نساء جليلات في عهد النبوة

فاطمة الزهراء (رضي الله عنها)

نستهل اليوم العشرين من شهرنا الفضيل .. ومع سيدة نساء أهل الجنة إنها السيدة الجليلة والعظيمة فاطمة بنت محمد بن عبدالله ـ سيد المرسلين وخاتم النبيين سيد ولد آدم ـ عليه صلوات الله وسلامه ـ وهي صغرى بناته (صلى الله عليه وسلم) وابنة خديجة أول النساء إيماناً بالإسلام وهي زوج علي بن أبي طالب، أول من أسلم من الصبيان فما سجد لصنم، وهي أم الحسنين سيدا شباب أهل الجنة .
ولقد شاء الله أن يقترن مولد فاطمة في يوم الجمعة الموافق للعشرين من جمادى الآخرة في السنة الخامسة قبل البعثة بقليل بالحادث العظيم الذي ارتضت فيه قريش (محمداً) حكماً لما اشتد الخلاف بينهم حول وضع الحجر الأسود بعد تجديد بناء الكعبة، وكيف استطاع ـ عليه الصلاة والسلام ـ برجاحة عقله أن يحل المشكلة وينقذ قريش مما كان يتهددها من حرب ودمار وإسالة دماء وعداوة بين الأهل والعشيرة.
حمل الأب الحاني ابنته المباركة يهدهدها ويلاطفها، وكانت فرحة خديجة كبيرة ببشاشته، وهو يتلقى الأنثى الرابعة في أولاده، ولم يظهر عليه غضب ولا ألم لأنه لم يرزق ذكراً وكانت فرحة خديجة اكبر حين وجدت ملامح ابنتها تشبه ملامح أبيها، وقد استبشر الرسول بمولدها فهي النسمة الطاهرة التي سيجعل الله نسله منها .
وعن أم المؤمنين أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ قالت: كانت فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أشبه الناس وجهاً برسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وعن عائشة أم المؤمنين ـ رضي الله عنها أنها قالت: ما رأيت أحداً من خلق الله أشبه برسول الله (صلى الله عليه وسلم) من فاطمة، وقد كان تسميتها (فاطمة) بإلهام من الله تعالى، فقد روى الديلمي عن أبى هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن علي أنه ـ عليه السلام ـ قال:(إنما سميت فاطمة لأن الله فطمها وحجبها من النار)، والفطم هو القطع والمنع، وقد ترعرعت فاطمة في بيت النبوة الرحيم، والتوجيه النبوي الرشيد، وبذلك نشأة على العفة وعزة النفس وحسن الخلق، متخذة أباها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) المثل الأعلى لها والقدوة الحسنة في جميع تصرفاتها، وما كادت الزهراء أن تبلغ الخامسة حتى بدأ التحول الكبير في حياة أبيها بنزول الوحي عليه، وقد تفتحت مداركها على أبيها ويعاني من صد قريش وتعنت سادتها، وشاهدت العديد من مكائد الكفار واعتدائهم على الرسول الكريم، وكان أقسى ما رأته فاطمة عندما ألقى سفيه مكة عقبة بن أبي معيط الأذى على رأس أبيها وهو ساجد يصلي في ساحة الكعبة ويبقى الرسول (صلى الله عليه وسلم) ساجداً إلى أن تتقدم فاطمة وتلقي عنه القذر.
وكان من أشد ما قاسته من آلام في بداية الدعوة ذلك الحصار الشديد الذي حوصر فيه المسلمون مع بني هاشم في شعب أبى طالب، وأقاموا على ذلك ثلاث سنوات، فلم يكن المشركون يتركون طعاماً يدخل مكة ولا بيعاً إلا واشتروه، حتى أصاب التعب بني هاشم واضطروا إلى أكل الأوراق والجلود، وكان لا يصل إليهم شيئاً إلا مستخفياً، ومن كان يريد أن يصل قريباً له من قريش كان يصله سرّاً، وقد أثّر الحصار والجوع على صحة فاطمة فبقيت طوال حياتها تعاني من ضعف البنية ولكنه زادها إيماناً ونضجاً، وما كادت الزهراء الصغيرة تخرج من محنة الحصار حتى فوجئت بوفاة أمها خديجة ـ رضي الله عنها ـ فامتلأت نفسها حزناً وألماً، ووجدت نفسها أمام مسؤوليات ضخمة نحو أبيها النبي الكريم، وهو يمر بظروف قاسية خاصة بعد وفاة خديجة ـ رضي الله عنها ـ وعمه أبى طالب، فما كان منها إلا أن ضاعفت الجهد وتحملت الأحداث في صبر، ووقفت إلى جانب أبيها لتقدم له العوض عن امها الغالية واكرم الزوجات ولذلك كانت تُكّنى بــ (أم أبيها).
وعن زواج هذه السيدة الجليلة فاطمة الزهراء وحياتها في بيتها، فبعد أن تزوج الرسول (صلى الله عليه وسلم) من السيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ تقدم كبار الصحابة لخطبة الزهراء، بعد أن كانوا يحجمون عن ذلك سابقاً لوجودها مع أبيها (صلى الله عليه وسلم) وخدمتها إياه، فقد تقدم لخطبة الزهراء أبو بكر وعمر وعبدالرحمن بن عوف ـ رضي الله عنهم ـ ولكن النبي (صلى الله عليه وسلم) اعتذر في لطفٍ ورفق، وتحدث الأنصار إلى علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ وشجعوه على التقدم لخطبة فاطمة، وأخذوا يذكرونه بمكانته في الإسلام وعند رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حتى تشجع وذهب إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم) خاطباً، وعندما حضر مجلس النبي غلبه الحياء فلم يذكر حاجته، وأدرك رسول الله ما ينتاب علي من حرج فبادره بقوله: ما حاجة ابن أبي طالب؟ أجاب علي: ذكرت فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): مرحباً وأهلاً، وكانت هذه الكلمات برداً وسلاماً على قلب علي فقد فهم منها، وكذلك فهم أصحابه أن رسول الله يرحب به زوجاً لابنته، وكانت تلك مقدمة الخطبة، عرف علي ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله يرحب به زوجاً لابنته فاطمة، فلما كان بعد أيام ذهب إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وخطب فاطمة وكان مهرها ـ رضي الله عنها ـ درعاً أهداها الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلى علي في غزوة بدر، وقد دعا لهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: اللهم بارك فيهما وبارك عليهما وبارك لهما في نسلهما.
وخيمت السعادة على بيت فاطمة الزهراء عندما وضعت طفلها الأول في السنة الثالثة من الهجرة ففرح به النبي (صلى الله عليه وسلم) فرحاً كبيراً فتلا الآذان على مسمعه، ثم حّنكه بنفسه وسماه (الحسن)، فصنع عقيقة في يوم سابعه، وحلق شعره وتصدق بزنة شعره فضة، وكان (الحسن) أشبه خلق الله برسول الله (صلى الله عليه وسلم) في وجهه، وما أن بلغ الحسن من العمر عاماً حتى ولد بعده (الحسين) في شهر شعبان سنة أربع من الهجرة، وتفتّح قلب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لسبطيه (الحسن والحسين)، فغمرهما بكل ما امتلأ به قلبه من حب وحنان، وكان (صلى الله عليه وسلم) يقول:(اللهم أني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما) وتتابع الثمر المبارك فولدت الزهراء في العام الخامس للهجرة طفلة أسماها جدها (صلى الله عليه وسلم) (زينب)، وبعد عامين من مولد زينب وضعت طفلة أخرى اختار لها الرسول اسم (أم كلثوم (وبذلك آثر الله فاطمة بالنعمة الكبرى، فحصر في ولدها ذرية نبيه (صلى الله عليه وسلم)، وحفظ بها أفضل سلالات البشرية. وقد بلغ من حب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لابنته فاطمة ـ رضي الله عنها ـ أنه لا يخرج من المدينة حتى يكون آخر عهده بها رؤية فاطمة، فإذا عاد من سفره بدأ بالمسجد فيصلي ركعتين، ثم يأتي فاطمة، ثم يأتي أزواجه، وقد قال (عليه الصلاة والسلام):(إنما فاطمة بضعة فمن أغضبها فقد أغضبني)، ولم يرض رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يراها تلبس الحلي وأمرها ببيعها والتصدق بثمنها وما ذلك إلا لأنها بضعة منه وأنه يريدها مثلا أعلى في الزهد والصبر والتقشف كما كان هو (صلى الله عليه وسلم)، ولتتبوأ بجدارة منزلة سيدة نساء العالمين يوم القيامة.
وعن وفاة السيدة فاطمة الزهراء فقد أوصت ـ رضي الله عنها ـ زوجها علي بن أبي طالب بثلاث وصايا، أولاً: أن يتزوج بأمامة بنت العاص بن الربيع، وبنت أختها زينب ـ رضي الله عنها، وثانياً: أن يتخذ لها نعشاً وصفته له، وثالثاً: أن تدفن ليلاً بالبقيع، ولم يطل مرض الزهراء ـ رضي الله عنها ـ الذي توفيت فيه ولم يطل مقامها في الدنيا كثيراً بعد وفاة المصطفى (صلى الله عليه وسلم)، وقد اختلفت الروايات في تحديد تاريخ وفاتها، فقيل في الثالث من جمادى الآخرة سنة عشرة للهجرة، وقيل: توفيت لعشر بقين من جمادى الآخرة، أما الأرجح فإنها توفيت ليلة الثلاثاء يوم الاثنين من شهر رمضان سنة إحدى عشرة من الهجرة وتوفيت وهي بنت تسع وعشرين سنة.

أم سارة المحاربية

إلى الأعلى