الجمعة 16 نوفمبر 2018 م - ٨ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شذرات من هدى القران

شذرات من هدى القران

الـصـوم وأثـره في النفـس (21)

الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلين وخاتم النـبيين وإمـام الـمتـقـين وحجـة الله رب العـالـمين وعـلى آلـه وأصـحابه أجـمعـين، وعـلى الـتابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـلا زال الحـديث مـوصـولاً عـن الـصيام وأثـره في الـنفـس، وبـعـد فإن الـصـفـات الـتي تـنـطـبـق عـلى عـبـاد الـرحـمـن هــم هـؤلاء، الـذيـن جـاء وصـفـهـم في سـورة الـفـرقان قال تعالى:(وَعِبَادُ الرَّحْمَـٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا، وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا) (الـفـرقـان 63 ـ 64).
وعـباد الـرحـمـن لـهـم مـنزلة عـظـيمة عـنـد الله، ولـذلك يقـول الله لسـان الشيطان في شأنهـم:(إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) (ص ـ 83)، وجاء قـوله تعالى:(إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) (الحجـر ـ 40)، فجـاء الـرد مـن قـبـل الله تعالى:( قَالَ هَـٰذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ، إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ، وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ) (الحجـر 41 ـ 43).
إذن: فـلـيس للشـيطان سـلـطان إلا عـلى مطـلـق (الـعـبيـد)، لأنه يـدخـل عـلـيهـم مـن باب الاخـتيار، ولـم تأتِ كلـمة (عـبادي) لـغـير عـبـاد الـرحـمن إلا حـين يقـوم الناس لــرب الـعـالـمـين، يـوم تـقـوم الـساعـة، ويحـاسب الله الـناس جـمـيـعـاً يـوم لا ظـلـم فـيه كـل يـأخـذ حـقـه وافـيـاً غـير مـنـقـوص.
يـوم يـنـقـسـم الـناس فـريـقـين، فـريـق في الجـنة وفـريـق في الـسـعـير، يـوم يـظـهـر الـمخـفي يـوم يظـهـر الـذيـن أضـلـوا أنفـسهـم واضـلـوا غـيرهـم مـن الـعـباد، فـيقـول الله تعالى:(وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَـٰؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ) (الـفـرقان ـ 17)، وحيـن تقـوم الـساعة لا يـوجـد الاخـتيار ويصير الـكـل عـبّـاداً، حتى الـكـفـرة لـم يعـد لـهـم اخـتـيـار في ذلـك الـمـوقـف الـعـظـيـم.
وكـذلك يـكـون حـظـك مـن الـدعـاء، إن دعـوت بحـق وفي حـق، ودعـوت مـن يـملك أن يـحـق الـحـق ظـفـرت وفـزت، وذلك بـفـضل الله ورحـمته فإن أجـابـك فـيـجيـبـك بـعـلـم، فـأيـقـن بأن الإجـابة متـحـقـقـة مـن الله، ولـكـن أعـلـم أن الإجـابـة تـكـون في صـالحـك إن سـلـباً أو إيجـاباً، لأن ذلك قـد يـرهـقـك أنـت عـنـدمـا تـتـوقـع عــدم الإجـابة, والله عـز وجـل يـقـول:(وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا) (الإسراء ـ 11)، ولـذلك يقـول الله تعالى:(سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ) (الأنبياء ـ 37).
وقال بعـض العـلـماء: إن الـدعـاء إن قـصـدت بـه الــذلـة والخـضـوع لله والعـبـودية الـخـالصة لـه سـبحانه وتعالى يكـون جـميلاً، أما الإجابة فـيرجـع أمـرهـا إلى إرادة الله لا للـعـبـد الـداعي.
وأنـت إن قـدرت حـظـك مـن الـدعـاء، في الإجـابة عـلـيه فأنت لا تـعـلم عـن الأمر شـيـئاً، واعـلم إن حـظـك مـن الـدعـاء، هـو الـعـبادة والـذلة لله الـواحـد الأحـد لأنـك لا تـدعـو إلا إذا اعـتقـدت أن أسبابك كـبشر لا تـقـدر عـلى تحـقـيـق شيء إلا بإرادة الله وعـونـه، ولـذلك سألت مـن يـقـدر عـليها، وسألت مـن يملك أمـرها، فـكل الأمـر لـمن بـيـده مقالـيـد الأمـور.
وقـد جاء في الحـديث الـقـدسي قـوله عـز وجـل:(مـن شـغـله ذكـري عـن مـسألتي، أعـطـيته أفـضل ما أعـطي الـسائـلـين) (أخـرجـه الـبيـهـقي).
ولـنـتـعـلـم ممـا عـلـمه رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم) لـعـائـشة أم الـمـؤمـنين، لـقـد سـألـت رسـول الله (صلى الله عـلـيه وسـلم): (إذا صـادفـت لـيـلة الـقـدر فـقـالـت: إن أدركـتـني هــذه اللـيـلة بـمـاذا أدعـو؟)، انـظـروا إلى رسـول الله (صـلى الله عـلـيه وسـلم) لـقـد عـلـم أم الـمـؤمـنين عـائشة أن تـدعـو بمـقـاييـس الخـير الـواسـع، فـقـال لـها:(قـولي اللهـم إنـك عـفـو تحـب الـعـفـو فاعـف عـني) أخـرجه الإمـام أحمـد.
ولا يـوجـد جـمال أحـسن مـن الـعـفـو، ولا يـوجــد خـير أحـسن مـن الـعـفـو، فـلا أقـول مـلحِّـاً اعـطـني .. اعـطـني، لأن هــذا قـد يـنـطـبـق عـلـيه قـول الله تعالى:(وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا) (الإسـراء ـ 11)، فـمـن الـنـاس مـن يـقـول: لـقـد دعـوت ربي فـلـم يـستـجـب لي، نـقـول لـه: لا تـكـن قـلـيـل الـفـطـنة ، فـمـن الخـير لك أنـك لا تجـاب إلى ما دعـوت وطـلـبت، فالله يعـطـيـك الخـير في الـوقـت الـذي يـريـده لـك ويـصـلح به حـالك.
وبـعـد ذلك لـو يــترك الله لـبعـض قـضايا الـوجـود في الـمجـتـمع الـبشـري أن تجـيبك إلى مـا طـلـبت ثـم تبـين لـك مـنه شــر لك، لـتعـلـم أن قـبض إجـابـة الله عـنـك، كان هـو عـيـن الخـير والـصـواب، ولـذلك فـإن الـدعـاء لـه شـروط، فالـرسـول (صلى الله عـلـيه وسـلـم) يـدعـونا إلى الـطـيب مـن الـرزق.
فـقـد جـاء في الحـديث الـنـبـوي الـشريـف، عـن أبي هـريـرة ـ رضي الله عـنه ـ قـولـه (صلى الله عــلـيه وسـلـم): ثـم ذكـر الـرجـل يـطـيـل الـسـفـر اشـعـث أغــبر، ثـم يـمـد يــده إلى الـسماء: يا رب يا رب، ومـطعـمه حـرام، ومشـربه حـرام، وملبسه حـرام، وغـذي بالحـرام، فأنّى يـسـتجـاب لـذاك).
إن الـرسـول يـكـشف أمـامـنا، كـيـف يـفـسـد جـهـاز الإنـسان الـذي يــدعـو بـما يـقـترفـه الإنـسان بـسـبب التـجـاوزات بـعـدم الـصـبر.
لــذلك فـعـدم إجـابة الـدعـوة، أمـا جـهـاز الـدعـوة جـهـاز فاسـد، وإما لأنـك دعـوت بشيء تظـن أن فـيه الخـير لك، لـكـن الله يـعـلـم أنه لـيـس كـذلك، ولـهـذا يأخـذ بـيـديـك إلى مجـال الحـكـمة مـن الـمـنـع، فـيـمـنـع عـنـك الأمـر الـذي يحـمـل لك الـشـر.
.. وللحـديث بـقـية.

ناصر الزيدي

إلى الأعلى