الأحد 18 نوفمبر 2018 م - ١٠ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الزكاة ثروة في نماء المجتمعات (1 ـ 2)

الزكاة ثروة في نماء المجتمعات (1 ـ 2)

أحمد البوسعيدي: للزكاة دور في الاقتصاد وإثراء المجتمع وتوفير حالة من الرخاء عن طريق تقوية مبدأ التكافل الاجتماعي

على المسلم أن يؤدي زكاة ماله في الوقت الواجب عليه أداؤه حسب الضوابط الشرعية المعتبرة

أجرى اللقاء ـ أحمد بن سعيد الجرداني:

الله سبحانه وتعالى افترض على الإنسان فرائض وأوامر وواجبات، وهذه الواجبات ليست عبارة عن تكاليف تثقل كاهل الإنسان وتقيد حريته، إنما هي واجبات وفق ما يطيق وما يتحمل، وهي في الوقت ذاته تعود عليه بالمصلحة والخير الكثير، كما أنها تعمل على الرقي بمقام الإنسان ومنزلته والرفع من شأنه، سواء أدرك الإنسان هذه الفوائد والمغازي أم لم يدركها، ومن هذه التكاليف فرض الزكاة، لذا نحاول أن نسلط الضوء حول مفاهيم بعض الأمور التي تتعلق بالزكاة وأهميتها ومعانيها ودلالاتها العميقة بالنسبة للفرد والمجتمعات وذلك من خلال هذه الأسئلة التي حملناها .. للدكتور أحمد بن سعيد البوسعيدي مدير مختص بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية .. فأجاب عليها ببرد وسلام فمع الموضوع ..

في البداية ما هو تعريف الزكاة؟

الزكاة لغة: مشتقة من الفعل (زكى)، وكما جاء في معجم مقاييس اللغة لابن فارس: “(زكي) الزاء والكاف والحرف المعتلّ أصلٌ يدل على نَمَاءٍ وزيادة. ويقال: الطَّهارة زكاة المال. قال بعضهم: سُمِّيت بذلك لأنَّها مما يُرجَى به زَكاءُ المال، وهو زيادتهُ ونماؤه. وقال بعضُهم :سمِّيت زكاةً لأنّها طهارة. قالوا: وحُجّة ذلك قولُهُ جلَّ ثناؤُه: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا)، والأصل في ذلك كلِّه راجع إلى هذين المعنيين، وهما النَّماء والطهارة، وإلى هذا المعنى يشير قول الله تعالى:(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا) أي: طهرها من الآثام، وأما الزكاة في الاصطلاح فتعرف بأنها: حق واجب في مال مخصوص لطائفة مخصوصة في وقت مخصوص لتحقيق رضا الله وتزكية النفس والمال والمجتمع.

الزكاة لها دور كبير في إثراء المجتمع .. فهلا أوضحت لنا هذا المعنى؟
الزكاة تسعى لتحيق الكثير من الأهداف الخلقية والاجتماعية والاقتصادية، ومن ضمن هذه الأهداف الاقتصادية إثراء المجتمع وتوفير حالة من الرخاء الاقتصادي، وذلك عن طريق تقوية مبدأ التكافل الاجتماعي، فالزكاة في أصلها عبادة افترضها الله تعالى على عباده، وهي حق في مال الإنسان، تخرج من مال الغني وتدفع إلى الفقير المستحق، بحيث لا يحتكر الغني المال الذي عنده، بل يعطي منه إلى مستحقيه، وإلى مثل هذا يشير قول الله تعالى:(كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ)، فالزكاة تعمل على تحريك المال بين أفراد المجتمع وعدم كنزه وتجميده وحكر تداوله بين فئة الأغنياء فقط، وهي في الوقت ذاته تعتبر معول هدم للطبقية في المجتمع، وعاملا قويا للبناء فيه، وذلك بسبب الحركة الدؤوب للمال في سائر أوقات السنة، وننوه هنا إلى تنبيه في غاية الأهمية، وهو أن المسلم عليه أن يؤدي زكاة ماله في الوقت الواجب عليه أداؤه حسب الضوابط الشرعية المعتبرة، فزكاة الأموال مثلا تكون باكتمال الحول منذ بلوغ المال النصاب الشرعي، لا مثل ما يفعل كثير من الناس وذلك بأن يؤخروا زكاة أموالهم في شهر رمضان، رجاء مضاعفة الأجور، فمن لليتامى والمساكين في بقية الشهور؟.
وقد قام أحد الباحثين بمقارنة حصيلة الزكاة المقدرة مع الإيرادات العامة للدول الإسلامية فوجدها تتراوح ما بين 16 الى 44% من إجمالي الإيرادات العامة، ويتضح لنا من معرفة حجم الزكاة من الإيرادات العامة للدولة أهمية الزكاة لكونها تشكل نسبة مهمة من مصادر الدخل في الدولة الإسلامية، وهي بالتالي تسهم بشكل فعال في تنمية هذه الدول ودفع ركب التقدم والتطور فيها، كما وضح لدينا ذلك من بيان المصارف التي توجه إليها هذه الزكاة، ومن أبرز الجوانب لبيان دور الزكاة في تنمية الدول ما يلي: أن الزكاة تحقق الأمن النفسي والحسي في المجتمع، وهذا يعد من القواعد التي تنطلق منها دفة التقدم والتنمية في أي دولة؛ فإخراج الغني زكاة ماله إلى الفقير طواعية وعن طيب نفس يقوي الأواصر والعلاقات في المجتمع، فتوزيع الثروة بصورة متوازنة يحقق التكافل الاجتماعي، ويكون ذلك سبباً لقطع الطريق أمام مسببات الانتهاكات غير المشروعة من السرقة والاختلاس وغيرها، وذلك لإمكانية الحصول على هذا المال بالطرق المشروعة ومن غير الحاجة إلى الممارسات غير المشروعة، وفي الزكاة كذلك تدوير للمال وتحريك له، وهذا يعين على الانتعاش الاقتصادي في الدول بسبب هذه الحركة الدؤوب، ومن هنا ورد الوعيد الشديد على تجميد المال وكنزه وعدم إخراج حق الله منه، قال الله عز وجل:(وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (آل عمران ـ 180)، وقد بيّن النبي (صلى الله عليه وسلم) هذه الآية في قوله:(من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مثل له شجاعاً أقرع ـ والشجاع الأقرع هي الحية الخالي رأسها من الشعر لكثرة سمها ـ له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ـ والزبيبتان غدتان مثل الزبيب مملوءتان من السم القاتل ـ يأخذ بلهزمتيه ـ يعني: شدقيه ـ يقول: أنا مالك أنا كنزك) ـ رواه البخاري. وقال الله عزوجل:(وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) (التوبة 34 ـ 35) قال النبي (صلى الله عليه وسلم) في بيان هذه الآية:(ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد) (أخرجه مسلم).
.. وللموضوع بقية.

إلى الأعلى