الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 م - ١٥ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الزكاة ثروة في نماء المجتمعات (2 ـ 2)

الزكاة ثروة في نماء المجتمعات (2 ـ 2)

الزكاة داعم قوي لرفع شأن المجتمع المسلم وعامل قوي لرقيه وتطوره

ـ من أراد أن يدفع الله عنه أنواع البلاء والعيش السعيد عليه أن يسعى إلى إسعاد الآخرين في قضاء حوائجهم

أجرى اللقاء ـ أحمد بن سعيد الجرداني:

الله سبحانه وتعالى افترض على الإنسان فرائض وأوامر وواجبات، وهذه الواجبات ليست عبارة عن تكاليف تثقل كاهل الإنسان وتقيد حريته، إنما هي واجبات وفق ما يطيق وما يتحمل، وهي في الوقت ذاته تعود عليه بالمصلحة والخير الكثير، كما أنها تعمل على الرقي بمقام الإنسان ومنزلته والرفع من شأنه، سواء أدرك الإنسان هذه الفوائد والمغازي أم لم يدركها، ومن هذه التكاليف فرض الزكاة، لذا نحاول أن نسلط الضوء حول مفاهيم بعض الأمور التي تتعلق بالزكاة وأهميتها ومعانيها ودلالاتها العميقة بالنسبة للفرد والمجتمعات فقد ذكرنا في الحلقة الماضية عن دور الزكاة في تنمية واثراء المجتمع وذلك من خلال هذا اللقاء مع الدكتور أحمد بن سعيد البوسعيدي مدير مختص بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية لنستكمل اللقاء ..

بعد أن حدثتمونا عن دور الزكاة في التنمية هل لكم أن تذكروا لنا مصارف الزكاة؟
نعم لقد حدد الله سبحانه مصارف الزكاة وذلك في قوله تعالى:(إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)، يتبين لنا من خلال تحديد هذه الأصناف أن مقصد الشرع هو تنوع الفئات المستفيدة من هذه المصدر المهم من مصادر العطاء، ونبرزها على النحو الآتي، أولاً ـ الفقراء: جمع فقير وهو من ليس له شىء يصرفه فيما يحتاج إِليه ، كأَنه كسرت فقار ظهره فى الشدة والكرب، ولم يكسب مالاً كما لا يكسبه من كسرت فقاره، وفي تحديد هذه الصنف إشارة إلى فئات من المجتمع أقعدهم العوز وضيق ذات اليد عن تلبية احتياجاتهم الضرورية، فقد لا يجدون ما يسدون به رمقهم أحياناً، وقد لا يجدون ما يسترون به عوراتهم أحياناً أخرى، وهكذا يعيشون في مشقة وعنت، لأن الفقر قصم فقار ظهورهم، فكأنه أصابهم بالشلل الذي حد من حركتهم ونشاطهم، وثانياً ـ المساكين: جمع مسكين وهو من له مال أَو كسب لا يكفيه، ومع ذلك كأَنه ساكن لا يتحرك للعجز، أَو أن المقصود هو السكون المعنوى، ويدل على ذلك قوله تعالى:(أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ)، حيث سمّاهم مساكين مع أَن لهم سفينة، وأَنه (صلى الله عليه وسلم) يسأَل المسكنة فى قوله:(اللهم أَحينى مسكيناً وأَمتني مسكيناً واحشرني فى زمرة المساكين) أَي: من قل ماله وتواضع لله عز وجل، وأَنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان يتعوذ بالله من الفقر فى قوله:(اللهم إِنى أَعوذ بك من الفقر)، وفي تحديد هذه الصنف إشارة كذلك إلى فئات أخرى من المجتمع تأن من الشدة والحاجة، وإن كانت أحسن حالا من الفئات الأخرى، وثالثاً ـ العاملون عليها: جمع عامل وهو الذي يبعثه الإمام لجباية الصدقات فيعطيه الإمام ما يكفيه هو وأعوانه مدة ذهابهم وإيابهم لأن العامل قد فرغ نفسه لهذا العمل والعاملون عليها كل من يعمل في جبايتها وتحصيلها أو في كتابتها وتدوينها أو حراستها وحمايتها أو تفريقها وتوزيعها، وهؤلاء يعطون أجر عملهم ولو كانوا أغنياء غير محتاجين، إذ لكل عامل أجر وهم قد عملوا على جمعها وتفريقها إلى المستحقين لها، فيعطون منها لقاء ذلك العمل، ونجد أن تحديد هذا الصنف له دور كبير في تحصيل أموال الزكاة، والتي بدونهم لما تحقق تجميع هذا المال وإيصاله إلى مستحقيه، وذلك لما هو معلوم من شح الإنسان بماله وحبه الجم له، فالقليل الذي يبادر إلى إخراج هذا الحق من ماله، ولكن الأكثر يحتاج إلى تذكير ومتابعة وصبر وتردد عليه أحيانا حتى يخرج هذا الحق، ورابعاً ـ المؤلفة قلوبهم: وهم قوم يعطون الزكاة تأليفاً لقلوبهم إِلى الإِسلام أو تثبيتاً لإيمانهم أو لترغيب ذوييهم في الإسلام أو طلباً لمعونتهم أو كف أذاهم، فيعطون ولو أَغنياءَ ليقوى إيمانهم، أَو أنهم أَشركوا فيعطون ليسلموا، وقد قرر العلماء أن هذا الحق باق ينفذ إن وجدت الحاجة إليه لأن بعض من يدخل في الإسلام قد ينقطع عن أهله وقومه وربما حرم من موارد رزقه فمن حقه أن يصرف له من بيت المال ما يحميه من الضرر، وقد رأينا في بعض الدول التي يختلط فيها المسلمون بالكفار مؤسسات خاصة تعنى بالمؤلفة قلوبهم، واطلعنا على الأدوار المهمة التي تعنى بها، وصرف الزكاة إلى هذا الصنف يشير كذلك إلى جواز استخدام الزكاة في مجال الدعوة إلى الإسلام والوصول إلى مصلحة متحققة من مصالحه، وهذا جانب آخر من مصارف الزكاة، وخامساً ـ في الرقاب: الرقاب جمع رقبة والمراد بها العبد أو الأمة يشترى بمال الزكاة ليعتق فتكمل حريته ويتم تصرفه فيصبح عضواً نافعاً في المجتمع ويتمكن من عبادة الله، ولهذا اشترط العلماء في الرقيق الذي يدفع له من الزكاة لفك رقبته أن يكون مسلماً، وسواء أعطي العبد لتحرير كله أو بعضه إن كان مبعضاً، فكل ذلك يشمله هذا الصنف من أصناف الزكاة، فيعطى منها المكاتبون ويفدى الأَسرى ويشترى بها عبيد ليسلموا ويعينوا المسلمين فى القتال، أعتقوا أو لم يعتقوا أو يشترى عبيد موحدون فيعتقوا، ويتبين لنا هنا من هذا المصرف من مصارف الزكاة، أهمية العناية بالفرد المسلم، وضرورة انتشاله من القيود التي تحول بينه وبين تمسكه بدينه، إضافة إلى أن الإسلام يسعى من خلال تشريعاته إلى التأثير على القلوب وتأليفها وتقريبها إلى الدين الحق، إضافة إلى ذلك نستفيد من هذا المصرف أن الإسلام يحارب الرق والاستعباد، ويعمل على القضاء عليه وتجفيف منابعه، وسادساً ـ الغارمون: وهم المدينون الذين لزمتهم ديون بسبب حاجتهم الشخصية أو بسبب ضرورة اجتماعية أو مصلحة للمسلمين كمن استدان للإنفاق على نفسه أو على زوجه وأولاده ومن يعولهم فهذا يعطي إذا لم يكن عنده سداد لدينه فاضلاً عن حاجته الضرورية، وأما من استدان لضرورة اجتماعية كمن استدان للإنفاق على يتيم أو للإصلاح بين اثنين أو جماعة من المسلمين أو استدان لمصلحة المسلمين كإصلاح مسجد أو مدرسة أو دار من الدور العامة لصالح المسلمين فإنه يعطى من الزكاة لسد دينه ولو كان غنياً على الصحيح من أقوال أهل العلم، وفي إعطاء هذا الصنف إشارة إلى عناية الإسلام بكشف الكرب عن المكروبين ورفع الدين عن المدينين والتنفيس عنهم، وأهمية السعي في مصالح المسلمين وتتبع أحوالهم لإصلاحها، وهذا يمثل أنموذجاً واضحاً للتكافل الاجتماعي، وأن حال المجتمع الإسلامي كحال الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وسابعاً ـ في سبيل الله: يشمل كل ما يخدم السبيل الموصل إلى الله، فيدخل فيه ما كان في سبيل الإعلاء من الدعوة الإسلامية وانتشارها، وقطع الطريق على الساعين للصد عن سبيلها، ومن ذلك ذروة سنام الإسلام الجهاد في سبيل الله، لأنه يحقق هذه الغاية، فشرع الجهاد لفتح الطريق أمام الذين يقفون حائلاً دون انتشاره، أو أنهم حاربوا المسلمين وصدوهم عن دينهم، ومن هنا فتصرف الزكاة على الغزاة المجاهدين في سبيل الله والمرابطين للجهاد ولو كانوا أغنياء إذا لم يكن يرعاهم وينفق عليهم بيت مال المسلمين، وصرف الزكاة إلى هذا المصرف يفتح باباً واسعاً في خدمة الإسلام والمسلمين، فيشمل جميع القرب إلى الله، ويدخل في ذلك كل من سعى في طاعة الله وسبيل الخير فيعان من مال الزكاة على ما يفعل من خير للإسلام والمسلمين، وينضوي تحت هذا الباب دعم المواقع والقنوات الإسلامية الهادفة والمنابر والكتب والمنشورات الدعوية، وثامناً ـ ابن السبيل: المراد به المنقطع عن ماله بسفره فى حج أَو عمرة أَو طلب علم أَو غير ذلك من أَنواع الطاعات، وليس لديه وسيلة للوصول إلى ماله ـ خاصة مع توفر وسائل تحويل الأموال بطرق سريعة ومأمونة ـ ولو كان ابن السبيلِ غنيا فى بلده، وفي هذا الصنف إشارة إلى عناية الإسلام بالمسلم أينما كان ما دام أنه يسير في سبيله وابتغاء مرضاته، وفي ذلك أيضاً تشجيع للمسلم للسير في الأرض بالغايات الهادفة والمرامي النبيلة، فيعان على ذلك ويدعم دعماً مادياً ومعنوياً، ويدخل في ذلك تقوية أواصر التعاون والتآخي بين المسلمين من غير تفريق بين لون أو جنس، يقول الله تعالى:(وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ).
موضحاً بقوله: ومن خلال التطواف السريع على مصارف الزكاة يتضح لنا جلياً أن الزكاة داعم قوي للرفع من شأن المجتمع المسلم وعامل قوي لرقيه وتطوره، وهذا لو أحسن استثمار وتوجيه وصرف الزكاة انطلاقاً من وحي التشريع الإسلامي مع مراعاة متطلبات العصر وتوخي الضوابط الشرعية، فلا إفراط ولا تفريط.
في ختام هذا اللقاء هنام سؤال أخير وهو أن الزكاة تدفع البلاء .. كيف يكون ذلك؟
إن أداء المسلم لزكاته سبب للتقرب إلى الله ونيل رضاه، لأن في إيتاء الزكاة عطفاً على عباد الله ورحمة بهم، كما أن في الزكاة تنفيساً لكربهم ورفع الضيق والشدة عنهم، وهي من صنائع المعروف التي يكون لها الأثر في نفوس من أوتوا إياها، فيلهجون بالدعاء والتضرع إلى الله بالدعاء لمن أحسن إليهم، وأن يدفع عنه البلاء كما دفعه عنهم، وفي الوقت ذاته فإن من عطف على عباده رحمه الله ولطف به وصرف الله عنه الشدة والبلاء، ومما ورد في بعض الآثار:(صنائِع المعْرُوف تقي مَصارعَ السُّوءِ، وصدقةُ السِّر تُطفِئ غَضَبَ الربِّ، وصِلةُ الرَّحِم تزيدُ في العمرِ)، ويقال:(الصدقة هي الفكاك، والنجاة من كل هلاك)، وقال بعضُ الْحُكماءِ:(في الصَّدقةِ عَشرُ خِصالٍ مَحمُودَةٌ: خَمسٌ فِي الدنيا، وخَمسٌ في الآخرة؛ فأَمَّا اللَّاتِي في الدُّنيا: فأَوَّلُها: حفظُ الْمَال، لقوله ـ عليه السلام:(حَصِّنُوا أَمْوَالَكُم بِالزَّكَاةِ)، والثانية: تطهير البدن، لقوله تَعَالَى:(خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا)، والثالثة: إدخالُ السُّرورِ عَلَى الْمَساكِين مِن الْمُؤْمِنين، والرَّابِعة: بركةٌ في الْمَال، وسعةٌ في الرِّزق، لقوله تَعَالَى:(وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)، والْخَامِسة: دفع البلايا والأمراض، لقوله ـ عليه الصلاة والسلام:(دَاوُوا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ)، وأَمَّا اللَّاتِي في الآخِرَةِ: فتكونُ لِصاحِبها ظِلًا مِن شِدَّةِ الْحَرِّ، وتَخفِيفًا للحسابِ، وتُثقِّل الْمِيزَانِ، وتَرفَعُ الدَّرجَاتِ فِي الْجَنَّة)، ومن ذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال:(المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة فرّج الله بها عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة)، وكما هو معروف أن الزكاة تدخل في جميع ذلك، ففيها تتحقق معاني الأخوة، وفيها سعي لقضاء حاجات المحتاجين، وفيها تفريج لما يعانونه من شدة وكرب، وفيها كذلك ستر لهم ولعوراتهم، فمن أراد أن يدفع الله عنه أنواع البلاء، وأن يعيش عيشة سعيدة فعليه أن يسعى إلى إسعاد الآخرين وأن يسير في قضاء حوائجهم وأن يدفع الزكاة والصدقة إليهم، فعلينا أن نثق في موعودات الله وألا يغرنا حب الدنيا ومتاعها الزائل وأن نخرج أنفسنا من التعلق بحب المال وبهرجته وبريقه إلى السعي إلى ما عند الله من الثواب الجزيل والأجر الكبير.

إلى الأعلى