الثلاثاء 23 أكتوبر 2018 م - ١٤ صفر ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / البعد القرآني لمشروعية الصّدقة

البعد القرآني لمشروعية الصّدقة

أشرتُ في بحث لي قديم بعنوان:(زكاة الفطر بين حاجة الفقير وحرفيّة النّص إلى البعد القرآني لمشروعيّة الصّدقة)، وهنا أعيد نشر ما يتعلّق بهذا الجانب مع بعض التّصريف، حيث أنّ الصّدقة في القرآن قد تأتي مرادفة للزّكاة المفروضة، وقد تأتي بمعنى أعمّ، وإذا تتبعنا النّصوص القرآنيّة في مشروعيّة الصّدقة نجد لها أبعاداً عظيمة في المجتمع، فالقرآن يقرر الطّبيعة والسّنة الإلهيّة في كون النّاس من حيث القدرة الماليّة ينقسمون إلى طبقتين اثنتين: طبقة غنية مستكفية، وطبقة فقيرة محتاجة، والطّبقة الأولى بنفسها لها تدرج في الغنى، كما أنّ الطّبقة الثّانية كذلك لها تدرج في الفقر، يقول تعالى:(أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (الزّخرف ـ 32).
ففي هذه الآية إشارة واضحة إلى وجود هاتين الطّبقتين في المجتمع، وهذا من السّنن في بقاء الكون واستمراريته لاستثمار ما في الأرض من خيرات، واكتشاف ما في الكون من سنن وعجائب، ولخدمة بعضهم بعضاً، كما يقول الشّاعر:
النّاس للنّاس من حضر وبادية
كلٌّ لكلِّ وإن لم يشعروا خدم
ومع هذا عندما يشير القرآن إلى هاتين الطّبقتين لا يشير إليهما من أجل ذكر الواقع الاجتماعيّ فحسب بل أوجد العلاج الّذي به يتحقق التّكامل الاجتماعيّ بين النّاس كافة، لذلك نجد القرآن قد أشار إلى فرضية الزّكاة باسمها ما لا يقل عن ثلاثين مرة في سبع عشرة سورة من سور القرآن، فضلاً عن عشرات الآيات الّتي تتحدث عن فضل الإنفاق والصّدقة، وعقوبة تارك الزّكاة في الآخرة.
والقرآن بيّن من تُعْطَى الصّدقة، يقول تعالى:(إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (التوبة ـ 60).
فهي لهذه الأصناف الثّمانية، وقد يكون منهم أغنياء ولكن لاعتبارات أخرى يعطون أيضا مثل العاملين في جمع الزّكاة وتوزيعها واستثمارها، ويدخل اليوم العاملون في مؤسسات الزّكاة المستقلة وبيوت الأوقاف، حيث يُخصص لهم جزءا من الزّكاة كراتب شهريّ يعينهم على قضاء حوائجهم الدّنيويّة، كذلك بالنّسبة للمؤلفة قلوبهم وابن السّبيل، فهم قد يكونون أغنياء ولكن لتثبيت القلوب، وكفّ أذى ضعاف الإيمان تُحققُ هذه المصلحة على العلّة الرّئيسة وهي الفقر والمسكنة.
وهكذا بالنّسبة لابن السّبيل فقد يقع في أمر حرج كضياع نقود، وهو لا يستطيع سدّها بسبب الغربة، فيعطى من الزّكاة والصّدقات ما يسدّ حاله، ويسهل عسره، ويفك شدته.
ويخصص القرآن جزءاً من الزكاة لفك الرّقاب، وتخليص المجتمع من عبودية النّاس، وإعطائهم الحريّة الّتي وهبهم الله إياها.
ومن جوانب الزّكاة أيضا تسديد الدّيون، وتخليص من وقع في ذلّ الدّين وشدته، ليعيش حرا كريما، فيوجه نحو الإنتاج والإبداع، لا أن يترك أسير سجن العذاب النّفسيّ، والذّلة والمهانة.
وهذه الأصناف هي من أهم الأصناف التي بحاجة ماسّة إلى رعاية وعناية، وإلا سيكون تأثيرها في المجتمع سلبياً فقد يتجه البعض إلى توفير المادة، والحفاظ على ماء الوجه وفق اتجاهات خطيرة، تؤثر على المجتمع تأثيراً سلبياً.
فقد يتجه إلى التّسول والسّرقة وبيع الأعراض والمخدرات، وقد يصل الحال إلى القتل والانتحار، لذا نجد في سورة البقرة بعدما تحدث الله تعالى عن الصّدقات والإنفاق أعقبه بالحديث عن الرّبا وضرره، حيث يجمل الضّرر في قوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ، وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة 278 ـ 280).
فهنا يأذن الله بحرب تعمّ المجتمع، والحرب كناية عن الأضرار الأليمة الّتي تلحق بالمجتمع إذا وجدت الفجوة الكبيرة بين الطّبقتين، وحدث استغلال وابتزاز ماليّ، ولهذا كان الأصل:(وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)، كناية عن أصل العلاقة القائمة على عدم الاستغلال والظّلم.

بدر بن سالم العبري

إلى الأعلى