الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 م - ٥ ربيع الثاني ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شذرات من هدى القرآن

شذرات من هدى القرآن

الـصـوم وأثـره في النفـس (22)
الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلين وخاتم النـبيين وإمـام الـمتـقـين وحجـة الله رب العـالـمين وعـلى آلـه وأصـحـابه أجـمعـين، وعـلى الـتابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـلا زال الحـديث مـوصـولاً عـن الـصيام وأثـره في الـنفـس، وأعـلم أن عـدم الإجابة في بـعـض الأحـيان، وشيء آخـر قـد يحجـب عـنـك الإجـابة، لأنه إن أعـطـاك ما تحـب فـقـد أعـطاك فـقـط خــير الـدنيا الـفـانـية، ولـعـل ذاك الـعـطـاء يـكـون سـببـاً لـهـلاكـك، ولـقـد أعـطى الله قـارون الـمـال، فـكان هـلاكـه بـسـبب الـمال، والله يحـبـك فـيحـيـل لـك الإجابة إلى خـير الـباقـية.
وهـذه ارتـقـاءات لا يـنالهـا إلا الخاصة مـن عـبـاده سـبحانه، وهــناك ارتـقـاء ات أخـرى تـتـمـثـل في أنه ما دام الـدعـاء فـيه ذلة وخـضـوع ومسـكـنة وافـتـقـار، ولأن الإنـسان مـرتـبـط بمسائل يحـبها، فـما دامت لـم تأت فـهـو يـقـول دائماً يا رب وهـذا الـدعـاء يجـب الله أن يـسمعـه، مـن مـثـل هـذا الـعـبـد فـيقـول الله:(إن مـن عـبادي مـن أحـب دعـاءهـم، فإنا ابـتـلـيهـم لـيـقـولـوا: يا رب)، إن الإنـسان الـمـؤمـن لا يـجـعـل حـظـه مـن الـدعـاء أن يجـاب، إنـما حـظـه مـن الـدعـاء ما قاله الله:(قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا) (الـفـرقـان ـ 77).
إن مـعـنى الـربـوبـية والـمـربـو بـية ، أن تـقـول دائـما ( يا رب) ، واضـرب هـذا الـمـثـل ولله الـمـثـل الأعـلى، الأب قـد يـعـطي ابنه مـصـروف الـيـد كل شـهـر، والابـن يأخـذ مصـروف الـيـد الـشهـري، ويـغـيب طـوال الـشهـر ولا يحـرص عـلى رؤيـة والـده، حـتى بـداية الـشهـر، فـفي أول الـشهـر يتـعـرض الـولـد لـوالـده مـن أجـل الـمصـروف الـشهـري.
لـكـن الـوالـد حـين يـعـطي الـولــد مـصـروف الـيـد كل يـوم، فالابـن يـنـتـظـر والـده يـومـياً، وعـنـدما يـتأخـر الـوالـد قـلـيـلاً فـإن الابـن يـقـف لـينـتـظـر والـده عـلى الـباب، لـقـد ربـط الـوالـد ولـده بالحـاجـة، لـيأنـس بـرؤيـاه يـومـياً.
والله سـبحانه وتعالى يـضع شـرطاً للاسـتجـابة للـدعاء، وهـو أن يـستجـيب الـعـبـد لله تعالى أولا فـيما دعـاه إلـيه، عـنـدئـذ سـيكـون الـعـبـد أهـلا للـدعـاء، وبـذلك يـستحـق الإجابة، ولـذلك يـقـول الله في الـحـديث الـقـدسي:(مـن شغـله ذكـري عـن مسألتي أعـطـيته أفـضـل ما أعـطي السائلـين).
ومـثال ذلك سـيـدنا إبـراهـيـم ـ عـليه الـسلام ـ حـين ألـقي في الـنـار، جـاءه جـبريـل ـ عـلـيه الـسـلام ـ وقال لـه جـبريـل ـ عـلـيه الـسلام: ألك حاجة يا إبـراهـيـم؟، انـظـر إلى أسـلـوب الإجـابة مـن الـنبي إبـراهـيـم، لـم يـنـف الـنبي إبــراهـيـم ـ عـلـيه الـسلام ـ أن لـه حـاجة، فـلا يـوجـد اسـتكـبار عـلى الـبـلـوى، ولـكـنه قال لجـبريـل: أما إلـيك فـلا، صحـيح أن له حـاجـة إنـما لـيست حـاجـته عــنـد جـبريـل لأنـه يـعـلـم جـيـداً، أن نجـاته مـن الـنـار والتي مـن خـصائصها الـمـطـبـوعـة عـلـيها هـو الا حـراق، وإذا كان خـلـقـت لـذلك، وقـد ألقي فـيها النـبي إبـراهـيـم فهـي عـملـية لـيست لـمخـلـوق أن يتحـكـم فـيها، ولـكـنها قـدرة الله التي تـتحـكـم في الأسـباب لأنه هــو خـالـق الأسـباب ، فـلا يـمـلـك نـزع صـفـة الاحـراق مـن الـنـار إلا مـن هـو خــالـق الـنـار ووضـع فـيها تـلك الخـاصـية، فـقال لـجـبريـل: أما إلـيـك فـلا، قال جـبريـل اسـأل ربـك، قال الـنـبي أبـراهـيم عـلـمه بحـالي يـغـني عـن سـؤالي، مـا هـذا الإيـمان، ومـا هــذا الـيـقـين، وما هــذه الـثـقـة التي رسـخـت في قـلـب الـنـبي إبـراهـيـم، ولـكـن ألـم يـقـل الله في شـأن الـنبي إبـراهـيـم إنـه كان أمة، قـال تعـالى:(إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّـهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (الـنحـل 120 ـ 121).
دعـاء:(اللهـم نقـني مـن الخـطـايا كـما يـنـق الـثـوب الأبـيـض مـن الـدنـس، وباعــد بــين خـطـايـاي كـما بـاعـدت بـين الـمـشـرق والـمـغـرب).
واضـرب لك مـثـلاً:(ولله الـمثـل الأعـلى)، قـد يـطـلب مـنك ابنك الـصغـير أن تـشـتري له مـسـدساً، وهـو يـظـن أن الـمسـدس خـير لـه، ولـكـنـك تـؤخـر طـلـبه وتـقـول له، فـيما بـعـد سـأشـتري لـك الـمـسـدس إن شـاء الله، وتمـاطـل الـولـد ولا تشـتري لـه مـسـدساً، فـهـل عــدم شـرائـك الـمسـدس يعـتبـر لـولـدك شـر أم خـير، فعـدم شـرائك للمسدس هـو الخـير الـذي لا يـدرك خـطـورتـه الـولـد الـصغـير.
إذن: فـمنعـك شـراء الـمسدس للـولـد حـماية له وصيانة وخـير، فالخـير يـكـون دائما عـلى مـقـدار الحـكـمة في تـناول الأمـور، وأنت تمـنع الـمسـدس عـن ابـنك ،لأنك قـدرت أنه طـفـل وأن عـقـله لـم يـدرك الـضـر مـن الـنفـع، وقـد يلهـوا مـع رفـاقـه وأصـدقائه، وقـد يـتـعـرض لأشـياء تخـرجه عـن طـوره وقــد يتسبب في أن يـؤذيه أحـد، وقـد يـؤذي هـو أحـدا بهـذا الـمسـدس، والـنتيجة أن الخـير الـذي لا مـرية فـيه في عـدم شـرائـك الـمـسـدس.
قال تعالى:(قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ) (الأنبياء ـ 69)، لـذلك جـاء الأمـر مـن الله للـنـار:(يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ)، بـعـد ذلك الـحـوار بـيـن أمـين الـوحـي جـبـريـل ـ عـلـيه الـسـلام ـ وبـيـن الـنبي إبـراهـيـم خـلـيـل الــرحـمـن وهـو فـي طـريـقـه إلى الـنـار، أثـنـاء إلـقـائـه في الـنـار مـن قـوم الـمـلك: الـنـمـرود انـتـقـاماً لأصنـامهـم التي كانـوا يـعـبـدونـها مـن دون الله الـذي خـلـقـهـم ورزقـهـم.
ولـنتـعـلـم مـن الإمـام عـلي ـ كـرّم الله وجـهه ـ حـين دخـل عـلـيه إنـسان يـعـوده وهـو مـريض، فـوجـده يـتأوه، فـقال له: أتتـأوه وانـت أبـو الحـسن؟، أنا لا أشـجـع عـلى الله عـز وجـل.
.. وللحـديث بـقـية.

ناصر الزيدي

إلى الأعلى