الأحد 23 سبتمبر 2018 م - ١٣ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شذرات من هدى القرآن

شذرات من هدى القرآن

الـصـوم وأثـره في النفـس (23)

الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلين وخاتم النـبيين وإمـام الـمتـقـين وحجـة الله رب العـالـمين وعـلى آلـه وأصـحـابه أجـمعـين، وعـلى الـتابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـلا زال الحـديث مـوصـولاً عـن الـصيام وأثـره في الـنفـس، قال الله تعالى:)أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللَّـهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّـهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّـهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّـهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ( (البقرة ـ 187).
وبـعـد أن أورد الله لـنا آداب الـدعـاء، ومـزجـهـا وأدخـلها في الـصـوم، يـشرح لـنـا الآن الله سـبحانه وتعالى آداب الـتعـامل بـين الـزوجـين في أثناء الصيام، يأتي هـذا الـتـداخـل والامـتزاج بـين بـين الـمـوضـوعـات المخـتلـفـة في الـقـرآن الـكـريم لنفـهـم منه أن الـدين وحـدة مـتكاملة مـتـكاثـفة تخـاطـب كل الـمـلـكات الإنـسانية، ولا يــريــد الله أن تظـهـر أو تطـغـى مـلكة عـلى مـلكـة أبـداً.
ويـقـول الله تعالى:(أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ) وحـين تـسمـع كلـمـة:(أُحِـلَّ لـكـم)، فـكأن مـا يـأتي بالتحـلـيـل كان محـرما مـن قـبـل، والـذي أحـله الله في هــذا الـقـول كـان هـو الـمحـرم عـينه في الـصيام، لأن الـصيام امساك بالـنهـار عـن شـهـوة الـبـطـن وشـهـوة الـفـرج.
فكأنه قـبـل أن تـنـزل هــذه الآيـة كان الـرفـث إلى الـنساء في لـيـل رمـضان حـراما ، فـقـد كان الـصيام في بـدايتـه إمـساكاً عـن الـطـعام مـن قـبـل الـفجـر إلى لحـظـة الـغـروب، ولا اقـــراب بــين الــزوجـين في اللـيـل أو الـنهار، فـكان الـرفـث في لـيـلة الصيام محـرما وكان يحـرم عـلـيهـم الـطـعام والـشـراب بـعـد صـلاة الـعـشـاء وبـعـد الـنـوم حتى يـفـطـروا.
وجـاء رجـل إلى الـرسـول (صلى الله عـلـيه وسـلم) وقال للـرسـول: ذهـبـت إلى الـمـنزل فـلـم أجــد أهــلي قـد أعــدوا لي طـعـاماً فـنـمـت، فـلـما اسـتيـقـظـت يا رسـول الله وعـلـمت أني لا أقــدر أن آكـل، ولـذلك فأنا أعـاني مـن الـتـعـب والجـوع، فأحـل الله مسـألـتـين، الـمسألة الأولى: أحـل الله لـنا الـرفـث إلى الـنـساء بـعـد أن كان محـرما ً، والـمسألة الثانية: أحـل الله لـنـا الأكـل بـعـد أن كان محـرماً في بــداية فــرض الـصوم:(.. وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ..) (الـبـقـرة ـ 187)، أي: كلـوا واشـربـوا إلى طـلـوع الـفـجـر، ولـو حـصل مـنـكـم، وهــذه رخـصة جــديــدة لـكـل الـمـسـلـمين، مـثـلهـا مـثـل الـرخصة الأولى التي جـاءت للـمـريـض والـمسـافـر، أما الـرخـصة الـجـديـدة فـهـي عـامة لـكل مسـلـم وهي مـن الأشـيـاء الـتي جـاءت لـتـعــميـق مـفـهـوم الـحـكـم الإلـهي الـر ء وف الـرحـيـم بـعـباده.
وقـد أنـعـم الله بـهــذه الـرخصـة (رحـمة مــنه وفـضلاً)، فـجـاءت مـتأخـرة بـعـض الـوقـت ، لـكلي يـعـلـم كـل مسـلـم ويــدرك مـدى الـتخـفـيـف، لأنـه سـبـق له أن تـعـرض إلى زلـة الـوقـوع في الـمخـالـفة، ورفــعـهـا الله عـنـه تـكـرماً وتـفـضـلا ً، وأنـظـر إلى مـوقـوع الآيـة الـكـريـة، ومــدى وقـعـها في قـلـوب الـمـؤمـنـين لـيـزدادوا إيـمانـاً مـع إيـمـانـهـم، قال تعالى:(هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللَّـهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ ) (الـبـقـرة ـ 187).
وكـلـمة:( تخـتـانـون أنـفـسـكـم )، هـذه تعـلـمـنا أن الإنـسان لـم يـقـوَ عـلى الصوم كل الـوقـت عـن الـرفـث إلى الـنساء، فـعـنـد ما تـرك تخـتـان نـفـسـك ثـم أنـزل لـك الـتـرخـيـص، هـنـا تشـعـر بـفـضل الله تعالى عـلـيـك.
إذن: فـبـعـض الـرخص التي يـرخـص الله لـعـباده في الـتكالـيف، رخصة تأتي مـع الـتشـريـع ، ورخـصة تخـفـيـفـية تأتي بـعـد أن يجـيء الـتشـريـع، لـينـبه الله إلى أنـه لـو لـم يـفـعـل ذلك لـتـعـرضـتـم للخـيانـة والـمشـقة والـحـرج، ومـا غـاب عـن عـلـمه مـا كـنتم تخـتانـون به أنـفـسـكـم، قال تعالى:(عَلِمَ اللَّـهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ) (الـبـقـرة ـ 187).
وكـذلك انـظـر إلى الشـجـاعـة التي يـمـتلـكهـا عـمـر بن الخـطاب ـ رضي الله عنه (عـمـلاق الإسـلام)، إذ لـمـا وقـع عـمـر فـيـما وقـع فـيه، مـن مــواقـعـة امـرأتـه لـيـلة الـصـيام جـاء إلى الـرسـول (صلى الله عـلـيه وسـلم) قـائـلاً: يا رسـول الله واقعـت امـرأتي لـيـلة الـصـيام، وجـاء رجـل آخـر فأخـبر الـرسـول (صلى الله عـلـيـه وسـلـم) بـما حـصـل لـه مـن الـمـشـقـة مـن امـتثـال أمـر الله بـعــدم الأكـل بـعــد الـنـوم.
فـخـفـف الله لـنـا وأزال الحـرج والـمـشـقة، فأبـاح لـنـا الـرفـث إلى نـسـائـنا والأكـل والـشـرب في لـيالي الـصـوم، فـكان وقـع هــذا الـتخـفـيـف في قـلـوب الـمـؤمـنين عـظـيما، وكـيف لا يكـون كــذلك، وجـاء هــذا التخـفـيـف بـعــد وقـوع الإخـتيان لـيـدلـنا عـلى رحـمة الله في أنـه قــدر ظـرف وضـعـف الإنـسان:(أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ).
والله تعالى يـريــد أن يـعـطـيـنا مــدى وقـوة عـمـلـية الـتحـام الـرجـل والـمـرأة بـكـلمة الله،(واللـباس)، واللـبـاس الــذي يـوضـع يـقـصـد به الـسـتر، فـكأن الـمـرأة لـباس للـرجـل أي سـتـر له، والـرجـل لـباس للـمـرأة فهي سـتـر لها، ومـدلـوله سـتـر الـعـورة، وبـهـذا الـمفـهـوم وبهـذا الـمـدلـول، فكأن الـرجـل لـباس للمـرأة أي سـتر لـعـورتها، والـمـرأة سـتـر لـباس للـرجـل وستـر لعـورته فـهــمـا عـمـلـية تـبـادلـية بـين الـرجـل والـمـرأة، وهــذا يـحـدث في الـواقــع، فـهـمـا يـلـتـقـيان في ثــوب واحـد كأنـهـما جـسـد واحـد.
.. وللحـديث بـقـية.

ناصر الزيدي

إلى الأعلى