الأحد 18 نوفمبر 2018 م - ١٠ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / النجاة والناجون (1)

النجاة والناجون (1)

كثيرًا ما نسمع من يقول: نجا فلان من الهلاك، ونجا فلان من الغرق، ونجا فلان من الاحتيال، ونجا فلان من الإفلاس، ونجا فلان من القضية، ونجا فلان من العدو، ونجا فلان من الحادث، ونجا فلان من الخطر، ونجا فلان من المرض، وكثيرًا ما نسمع من يقول: سفينة النجاة، وزورق النجاة، وسترة النجاة، وسُلم النجاة، وطريق النجاة، وقارب النجاة، ودرب النجاة، وطوق النجاة، ومطية النجاة، وكلها عبارات وجُمل تدخل السرور في النفس، وتوجد الانشراح في الصدر، وتحدث الارتياح في القلب، لأن الإنسان يحب النجاة؛ ففيها حياته ووجوده، وفيها سلامته وسعادته، فالنجاة غاية كل لبيب، ومطمع كل أريب، ورجاء كل عاقل، وأمنية كل راشد، وبغية كل إنسان، فكل إنسان يطمع في النجاة، ويرنو إلى النجاة، ويسعى إلى النجاة، ويحرص على النجاة، ويجتهد في تحقيق النجاة.
فما معنى النجاة؟ وما أقسامها؟ وما يترتب عليها؟ وماذا أعددنا لها؟ ومن هم الناجون؟ وما صفاتهم؟ ومن هو السعيد في الآخرة؟
النجاة لغةً هي السلامة والخلاص، وفي الاصطلاح هي السلامة من الشر، والخلاص من الهلاك؛ في الدنيا هي السلامة من شيء مكروه، والخلاص من شيء لا يحتمل، وفي الآخرة هي السلامة من النار، والخلاص من العذاب.
ويترتب على النجاة من المكروه في الدنيا السرور والسعادة، وفي الآخرة يترتب على النجاة من النار دخول الجنة، وذلك هو الفوز العظيم، وتلك هي السعادة الأبدية، فالفوز يعني النجاة من النار والظفر بالجنة، يقول الله تعالى:(كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (آل عمران ـ 185)، ومن هذه الآية الكريمة يتبين أن دخول الجنة يترتب على النجاة من النار.
ولما كانت النجاة من العذاب الأخروي هي السلامة الدائمة، والخلاص الأبدي، الذي يترتب عليه دخول الجنة، التي هي سلعة الله الغالية، فقد دلنا الله تبارك وتعالى على التجارة التي تنجينا من العذاب، وتدخلنا الجنة، فقال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (الصف 10 ـ 12).
ولا ريب أن الله تعالى هو المنقذ والمسلم والمخلص، يقول الله تعالى ممتنًا علينا بالإسلام حيث أنقذنا به:(وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها) (آل عمرن ـ 103)، ويقول الله تعالى ممتنًا على النبي (صلى الله عليه وسلم) يوم بدر:(إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّـهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَـٰكِنَّ اللَّـهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (الأنفال ـ 43)، ويقول تعالى في شأن نوح ـ عليه السلام ـ ومن معه:(فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ، ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ) (الشعراء 119 ـ 120)، ويقول تعالى في شأن صالح ـ عليه السلام ـ ومن معه:(فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) (هود ـ 66)، ويقول تعالى في شأن شعيب ـ عليه السلام ـ ومن معه:(وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ) (هود ـ 94)، ويقول تعالى في شأن يونس:(فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ) (الأنبياء ـ 88)، ويقول تعالى في شأن موسى ـ عليه السلام ـ ومن معه:(وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ) (البقرة ـ 50).
إن الإعداد للنجاة يكون بالأخذ بأسباب النجاة، يقول أبو العتاهية:
ترجو النَجاةَ ولم تَسْلُكْ مسَالِـكَـهـا
إن السفينةَ لا تجرِي علـى يَبَـس
وفي هذا السياق روى البخاري عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه:(أن رجلًا سأل النبي (صلى الله عليه وسلم) عن الساعة، فقال: متى الساعة؟ فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): وماذا أعددت لها) (رقم الحديث: 3688).
وروى ابن ماجه عن البراء بن عازب ـ رضي الله عنه ـ قال:(كنا مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في جنازة، فجلس على شفير القبر، فبكى حتى بلَّ الثرى، ثم قال: يا إخواني لمثل هذا فأعدوا).
.. وللحديث بقية.

يوسف السرحني

إلى الأعلى