الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ربيع الإسلام والسلام يبدأ من غزة

ربيع الإسلام والسلام يبدأ من غزة

د.أحمد القديدي

” ..لا تختلف الحياة السياسية عن فصول العام فيرى المؤمن فيها ما سماه سبحانه التدافع لأن الله خلق الشعوب والقبائل وألهم نفوس الناس فجورها وتقواها وجعل دورات القرى أي الحضارات مثل دورات الفصول فانظر من حولك شعب فلسطين وهو اليوم يمر بمحنة أخرى تحت قنابل الصهاينة في غزة البطلة لتدرك أنه عاش خريف التهجير والشتات سنة 1947 بإرادة جائرة من دول أوروبية سبق أن ذبحت اليهود..”
ــــــــــــــــــــــ
أوحت إلي الحرب المسعورة التي تشنها إسرائيل على المدنيين والأطفال والأبرياء في قطاع غزة جملة من الخواطر وظلت تجول بفكري حقيقة تاريخية وهي أن البلدان العربية في حرب 1948 كانت ترسل المتطوعين والسلاح الى فلسطين أما الدول العربية اليوم فإما ترسل الدواء والبطاطين والخيام وإما تكتفي بالبيانات (المنددة!) أو تدعو لإجتماع جامعة الدول العربية أو مجلس الأمن! سبحان مغير العرب من جيل الفداء إلى جيل العزاء!
وتذكرت أن الله سبحانه خلق الفصول الأربعة لتتعاقب من أجل رزق المخلوقات فالخريف يمهد الأرض للزرع ويسمح بالحرث ويبعث الريح فيه لقاحا ويعقبه الشتاء فيهطل مطر مدرار ينعش الزرع ويخرج السنابل حبلى بالقمح والشعير والرز ثم يأتي الربيع ليكون الخير باعث أمل ورخاء ويعتني المزارع بأرضه سقيا وعلاجا وتشذيبا إلى أن يحل الصيف وهو موسم الحصاد مرفوقا بحمد الله و شكره على نعمائه… وتلك الأيام نداولها بين الناس. ولا تختلف الحياة السياسية عن فصول العام فيرى المؤمن فيها ما سماه سبحانه التدافع لأن الله خلق الشعوب والقبائل وألهم نفوس الناس فجورها وتقواها وجعل دورات القرى أي الحضارات مثل دورات الفصول فانظر من حولك شعب فلسطين وهو اليوم يمر بمحنة أخرى تحت قنابل الصهاينة في غزة البطلة لتدرك أنه عاش خريف التهجير والشتات سنة 1947 بإرادة جائرة من دول أوروبية سبق أن ذبحت اليهود وأبادتهم وأراد حكامها بعد دحر النازية أن يكفروا عن ذنوب أوروبا المسيحية فأعطوا ما لا يملكون لمن لا يستحقون وأنشأ الغرب المسيحي كيانا عبريا مزروعا في جسد عربي إسلامي ومسيحي قديم لم يتنكر يوما للطائفة اليهودية ولم يضطهدها بل حماها كما وقع في التاريخ مرتين الأولى حين لوحق اليهود والمسلمون معا في الأندلس على أيدي نفس المسيحيين المتطرفين وأحرقوا في محاكم التفتيش والثانية حين أبيد اليهود على أيدي هتلر النازي فوجد الناجون من اليهود خلال المحنتين ملجأهم الأمين لدى المسلمين. كان شتاء أبناء فلسطين قاسيا سنة 1947 و1948 حين حل شعب دخيل مكان شعب أصيل وأتذكرشخصيا أنني حين أنتخبت رئيسا لإحدى جلسات المؤتمر الدولي للإتحاد العالمي للبرلمانات في خريف 1982( نفس خريف العدوان على بيروت و إخراج المناضلين الفلسطينيين منها نحو قبرص ثم نحو تونس) وكان مؤتمرنا منعقدا بمقر البرلمان الإيطالي بروما وكانت الجلسة مخصصة بإلحاح البرلمانيين العرب للنظر في شؤون الشرق الأوسط ألقيت خطابا في كل الوفود المشاركة ومنها الوفد الإسرائيلي ووفد منظمة التحرير بصفة ملاحظ ووفود بريطانيا والولايات المتحدة والدول الأوروبية وكنت من قبل خطابي توجهت إلى سكرتيرية المؤتمر وأخذت منها السير الذاتية للوفدين الإسرائيلي والفلسطيني (ومن بينهم المناضل خالد الحسن رحمة الله عليه) وبدأت خطابي بالقول للبرلمانيين الحاضرين :” نريدكم أن تفهموا سر الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ولكي تفهموا هذا السر سأقول لكم أين ولد أعضاء الوفد الإسرائيلي؟ شالوم ولد في بروكلين وحاييم ولد في فينا وديفد ولد في اليمن و إيزاك ولد في ميلانو… كما سأقول لكم أين ولد أعضاء الوفد الفلسطيني فخالد ولد في حيفا وكمال في الناصرة وناصر في القدس وجمال في نابلس…هذه حقيقة مأساة فلسطين يهود قادمون من مدن العالم لا علاقة لهم بفلسطين وفلسطينيون من أرحام أرض فلسطين ولدوا فيها و نشأوا بين زيتونها وكرومها وهجروا منها فهم اليوم في تونس وعمان وبيروت وباريس ونيويورك سيرجعون بعد المؤتمر إلأى مهاجرهم بينما اليهود الذين جاؤوا من أصقاع الأرض واغتصبوا فلسطين سيعودون بعد مؤتمرنا إلى فلسطين. وأقسم لكم اليوم أيها القراء الأعزاء بعد مرور أكثر من ثلث قرن على هذا الخطاب الذي ألهمنيه الله سبحانه ما أزال أتذكر باعتزاز كيف صفق لي وقوفا جل أعضاء الوفد الأميركي والألماني والفرنسي وكيف صرخ الإسرائيليون غضبا وتنديدا. وأعتقد مع طول التجربة وكثرة التعايش مع الأحداث أن السبب بسيط وهو أن المنطق العقلاني و الرؤية التاريخية يستطيعان التأثير على رأي عام عالمي مغشوش عوض استعمال لغة العواطف والحماس والحمية. لذلك أليت في كل مواقفي السياسية والتعبير عن أفكاري ألا أعتمد إلا على العقل والبصيرة التي أمرنا الله أن ندعو بفضلها إلى سبيله تعالى مع إعتماد قوة الحجة التاريخية وبرهان الحق الساطع. ولهذا السبب أشد على أيدي المناضل خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس على تغيير لغة الخطاب المتوجه للرأي العام الغربي والذي بثته بالمباشر القناة الرسمية الفرنسية فرانس 24 يوم الاربعاء 23/يوليو وهي قناة الحكومة الفرنسية فقد قال خالد بأن حماس لم تستهدف سوى جنود العدو المهاجمين بينما يقتل الصهاينة مئات الأطفال والنساء والشيوخ ويقصفون المستشفيات وبيوت الله وهو ما سماه مشعل (الإنتصار الأخلاقي على جيش تساحال) وهو أيضا ما دعا السيدة (نافي بيلاي) رئيسة مفوضية حقوق الإنسان التابعة لمنظمة الأمم المتحدة وفي نفس يوم الإربعاء إلى التصريح بقوة ومن على منبر الأمم المتحدة بأن إسرائيل ترتكب جرائم حرب في العدوان المستمر على المدنيين في قطاع غزة. لعل بعض قرائي الأفاضل يردون علي قائلين: و ماذا يفيد غزة من هذه التصريحات ما دامت إسرائيل لا تقيم وزنا لا للأمم المتحدة ولا بالطبع لخطب العرب ولا تعتمد سوى على منطق القوة و التفوق منذ …. سبعين عاما؟ هذا صحيح ولكن المقاومة الفلسطينية وبخاصة التي اعتمدت على قوة العقيدة نجحت في قلب الموازين التقليدية القديمة والعقيمة أولا بالإعتبار والبصيرة وقراءة أخطاء الماضي في الحراك العسكري والدبلوماسي وثانيا بتطوير تقنيات السلاح الرادع ويكفي أن نذكر فقط إيقاف شركات الطيران الأوروبية والآسيوية وحتى الأميركية رحلاتها إلى مطارات إسرائيل وما ينجر عن ذلك من خسائر إقتصادية ومالية وسياسية وأمنية لإسرائيل وهو ما حرك لوبيات إسرائيلية لتعود بمراجعة مواقفها لا محبة في الفلسطينيين بل خوفا على إسرائيل قناعة من هذه اللوبيات بأن سياسات التهور ورفض حل الدولتين لو يتواصل ستصبح دولة إسرائيل عبءا ثقيلا على الإدارة الأميركية الحاضنة لهذه الدولة والضامنة لبقائها وتفوقها ولعلمك يا قارئي العربي فإن الاف اليهود شاركوا في مدن أوروبية وأميركية في مظاهرات التنديد بالقمع والقتل ومخططات الإبادة الممنهجة التي كما يقول هؤلاء اليهود تشكل وصمة عار على جبين الدين اليهودي وتشكل الخطر القادم على أمن الدولة العبرية وعلى السلام العالمي.

إلى الأعلى