الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / عندما تنهزم مكاسب الابتذال الفانية أمام مبادئ العقل وتصبح الحرية غاية إنسانية لا تحقق دون قيم وأخلاق

عندما تنهزم مكاسب الابتذال الفانية أمام مبادئ العقل وتصبح الحرية غاية إنسانية لا تحقق دون قيم وأخلاق

القيم والعقل فى الفلسفة والحضارة
القاهرة – الوطن:
تقول سيمون دى بوفوار الكاتبة والمفكرة الفرنسية: إن الإنسان يصنع أقرباءه كما يصنع نفسه, ويشيد عالمه بقدر ما لديه من امكانيات وتفاعلات مع الآخرين , فعلاقات الفرد بالمجتمع ترسم حجم تفاعلاته وصلته بالآخرين ومدى وثوق هذه الصلات من خلال وجود ثوابت القيم والمبادئ والمتغيرات عبر الحوار والصدام , ورغم كل ما حققته الشعوب من حضارات تظهر لها حدود عند التفاعل مع بعضها, ولكن ما يتحقق للفرد من غايات وأفعال تظهر لها مقومات الاحتياج للآخر وللصداقة والقرابة والتضامن من المجتمع .
مفاهيم حياتية
واقع الانسان لا يتوقف، إنه عند سيمون دى بوفوار كائن الأبعاد غير المحدودة , حتى الموت لا يمكن أن يكون نهاية الحدود , فالموت لا يمكن أن يكون نهاية طموح البشر ذلك أن مشروعات الانسان تتجاوز الموت ولا تحد به , فالانسان يزرع وينبت ما سوف يجنيه الغير بعد مئات السنين لذلك لم يكن هيدجر الفيلسوف الألمانى على حق فى راى بوفوار حين قال إن الانسان مفروض عليه مشروعاته , فالبشر أحرار فى اختيار مستقبلهم بقدر ما ينتزعوا من موضوعات تحقق لهم الوجود . إن خضوع الانسان للأشياء وتسليمه بالقواعد لا يغنى عن طموحه ولا يعنى إلغاء مشروعاته وتطلعاته فى المستقبل , والقيم السائدة فى المجتمعات تعتبر مطلقة عند حدود كيفية مواجهة مقتضيات العصور المختلفة , ومن هنا تنشأ الروح المبتذلة التى يسميها سارتر الفيلسوف والروائي الفرنسي بروح الجد , التى ينبغى التخلى عنها أحيانا رغم أنها قيم ومعطيات عالية مستقلة للذاتية الانسانية , ومنها تنحسر عن الانسان روح القلق والشك إزاء القيم الموضوعة الجاهزة , وتهاجم بوفوار هذه الروح وتنتقدها , وترى أنها يتجلى فيها هروب الإنسان من حريته فى إبداع القيم الحقيقية , وهى عندما تسود فتكون عند سفلة القوم . وتنتقد أيضا أولئك الذين لهم أعين وآذان ولكنهم يعمونها ويصمونها , فهم بلا حب ولا رغبة وبهم من الوجود خوف ومن روح المغامرة رهبة , وكذلك فهم يحتمون بالقيم الجاهرة , ولقد سبق للفيلسوف الألمانى هيجل أن سخر من هذه الروح فى كتابه فينومينولوجيا الروح , وعد من ينساق لهذه الروح تافها لأنه يجعل من الموضوع الخارجى الحقيقة الجوهرية , ومن بعد هيجل سخر الفيلسوف الدنماركى كيركجارد والشاعر والفيلسوف الألمانى نيتشة من روح الجد هذه وكشفوا عن ثقلها وتزييفها للقيم الانسانية الحقة . وتتساءل سيمون دو بوفوار عن مصدر هذه الروح المبتذلة وأسباب حدوثها فتقول إن السبب فى ذلك هو أن كل إنسان كان فى يوم ما طفلا يعيش فى عالم الكبار , عالم الآلهة وهو يعد نفسه ليكون مثلهم إلها , والطفل يعيش بعيدا عن الشك والقلق وتحمل المسئولية لأن العالم الذى يعيش فيه هو عالم جاهز كامل مصنوع من قبل , وكذلك تراه يقبل القيم الجاهزة ويعتبرها موجودة وجود السماء والأنهار والأشجار . وقد تبقى روح الطفولة هذه مع بعض الناس مدى الحياة سواء كانوا رجالا أم نساء يخضعون لعالم الغير والقيم الجاهزة بغير أدنى شك او قلق وترى منهم طغاة يمجدون هذا العالم ويعيشون على حد رأى الكاتب النرويجى إبسن فى بيت الدمى لا يثورون ولا يشكون ولا يقلقون.
نزعات إنسانية
فى مقابل روح الجد هذه يمكن أن توجد نقيضتها التى تتضح فى النزعة العدمية , فالعدمى يجرد العالم من كل القيم ويرى أنه ليس هناك ما يبرر الوجود , ولكنه يخطئ حين ينسى أن عليه أن يبرر الوجود وأن يؤكده , وينسى أن وراء كل القيم قيمة عليا هى الحرية التى ينبغى عليه أن يكتسبها ويشارك فيها مع الآخرين. فحريتى تفترض أيضا حرية الآخرين حتى لا تتجمد وتنقطع صلتها بالوجود , ومن هنا فإن الوجودية لا تنتهى إلى مذهب انغلاق الذات على نفسها او الأنا الوحيدة , كما يذهب معارضوها , ذلك لأنه إذا كانت الذات هى الحقيقة الأولية ومصدر القيم إلا أنها فى محاولة مستمرة لتجاوز حدودها والاتصال بالآخرين . لذلك فإن الحرية التى تنغلق على ذاتها وتتعلق بموضوع محدد تناقض ذاتها ولهذا لا يكون الطغاة والرأسماليون أحرارا بالمعنى الصحيح . ولما كان لا يصلح أن تحدد الحرية بموضوع آخر خارجى , فكذلك لا يمكن للحرية أن تتحقق بوسائل القمع او الاضطهاد , فالغاية لا تبرر الوسيلة , بل إن الديمقراطية إن حاولت أن تدافع عن نفسها باضطهاد مماثل لاضطهاد الأنظمة الأخرى التى تعارضها فإنها تتنكر فى الوقت نفسه للقيم التى تدافع عنها . وحين تؤكد الفلسفة الوجودية أن حرية الانسان هى أساس القيم إنما تواصل تراث كانط ونيتشة وهيجل الذى يؤكد أن الذات هى مصدر القانون والواجب والحق لكن هناك اختلاف كبير بين الفلسفة الوجودية وبين هذه الفلسفات المثالية , ويتضح هذا الاختلاف إذا حاولنا تفسير المقصود بالذات الانسانية . فالذات الانسانية عند الوجوديين إنما تعنى أفراد الانسان المركبين من لحم وعظم الذين يحبون مواقف عينية محدودة , أما معنى الذات الانسانية المقصودة فى تراث كانط ونيتشة وهيجل , فإنما يعنى فكرة مجردة للانسانية , ففى مقابل فكرة الانسانية المجردة تؤكد الفلسفة الوجودية ارتباط الحرية بمواقف عينية عند أفراد معينين . أما المرأة فهى تعنى الأنوثة والجنس الثانى الذى نتجت شخصيته وتجاربه عن تفاعلات المرأة مع المجتمع والحضارات , فالنساء يعشن فى مجتمع يشاركن فيه الرجال , وقد صنع هذا المجتمع الرجال لكن هذا العالم بلا مرأة لن يستطيع الاستمرار , والمرأة صارت لها دور كبير فى نهضة المجتمعات , ولولاها ما كان عظماء العصور ورغم أنها صنعت الملوك والقادة والمفكرين والباحثين إلا أنها جاهدت طويلا من أجل استرداد حقوقها المسلوبة كالسود الذين كانوا يعانون من اضطهاد البيض لعقود طويلة , فالمرأة هى الأخرى عانت من عنصرية الرجال طويلا ومن وجود مجتمعات ذكورية , وهى الآن قد امسكت بحقوقها ولن تفرط فيها خاصة بعد أن صار من النساء الوزيرة وسيدة الأعمال والمفكرة والباحثة وفى جميع المهن, حيث أثبتت نساء اليوم قدرتها على أداء واجباتها الأسرية والمجتمعية.
يذكر أن كتاب “عن القيم والعقل فى الفلسفة والحضارة ” تأليف الدكتورة أميرة حلمى مطر، ونشرته الهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة، تحت رعاية مكتب الأسرة بجمهورية مصر العربية.

إلى الأعلى