الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / أنفاس صباح شتوي

أنفاس صباح شتوي

يبدو الشارع في عينيه واسعا كبيرا ..أمواج بشرية تتلاطم في هذا اليم.. أرجل كثيرة تروح وتجيئ.. وجوه ذات قسمات مختلفة.. لغات ولهجات.. ثم تلك العربات التي لا تكاد تتوقف.. يتصاعد نباحها الآلي.. من آن لآن.. فيرتعد لها جسد الصبي الصغير .. نهار شتوي بارد.. أرنبة أنفه محمرة ..وظهره لوح ثلج.. رغم أنه يرتدي كنزة صوفية سوداء.. ساقاه كانتا عاريتين.. وعبثا كان يحاول تدفئتهما بيديه متحسسا.. يمشي باضطراب على الرصيف .. يبدو الشارع أمامه بلا نهاية .. وهو قزم بين عمالقة.. لو كان يرتدي دشداشة أو بنطالا رياضيا طويلا بدل هذا القصير.. لتخفف من وطأة البرد.. وهذه القشعريرة .. ثم ” أووه” هذا المغص الذي يعاوده من جديد.. تقلصات في معدته الخاوية الصغيرة.
أمه حكت له ذات مساء أنها عصافير تعشش في البطن ..لكنه على صغر سنه كان يعلم أنه ما من عصافير تحب السكنى في البطون.. يخشى الصغير أن يفطن المارة إلى أنين بطنه فيعتصرها بكلتا يديه برفق ” آه ” هكذا أحسن .
يمر أثناء سيره على مقهى شهير في شارع السوق.. تنبعث منه روائح طيبة .. ذكرته بطبيخ أمه .. أنه يستطيع أن يميز جيدا الآن رائحة ” السامبوسا ” .. السامبوسا المقلية .. السامبوسا الساخنة .. المحشوة باللحم المفروم وقطع البازلاء الدائرية الخضراء .. السامبوسا المشربة بالزيت الحار.. بعد مسافة تخبو الرائحة اللذيذة فيحزن قليلا لأنها ذكرته بأمه.. المرأة الممتلئة عالية الصوت الغضبى في معظم الوقت أو البكاءة .. أنه يحبها بلا شك .. يحبها بجنون.. يحبها بحق.. لكنه لا يدري لما لا تحبه هي.. رغم أنه يستذكر دروسه .. ويغسل أسنانه دائما ولا يصدر أصواتا عند الأكل.. بل وامتنع حتى منذ مدة عن شد ذيل القطة الفارسية السمينة .. آه كم يكره القطط وبخاصة الفارسية منها ..كان يود لو سمح له باقتناء جرو صغير ..نظيف مطوق بطوق أحمر ..لا يحسن العض ولا يقوى على النباح بصوت مزعج طوال الليل.. جرو صغير بلا براغيث ..أمه رفضت .. هددت .. أوضحت له بحزم أنه لا مكان للكلاب النجسة في البيوت الطاهرة .. منذ ذلك اليوم كره الكلاب كما كره القطط لكنه في سر نفسه لا يزال يود الجراء .
المحلات تتناثر جنبا إلى جنب على ضفتي الشارع تعرض بضائعها العديدة.. ذهب .. ساعات .. حقائب.. أجهزة كهربائية ..أقمشة.. أحذية .. ألعاب.. ملابس جاهزة ..دمى ..مكسرات ..أطعمة وحلويات .. سوق مزدحم.. المشاة بلا هدف أكثر من المتسوقين.. يصادفه في مشيه رجل ضخم.. ذو بطن كبيرة يمشي ببطء وبأنفاس متثاقلة.. في يمناه عصا غليظة عليها نقوش ذهبية دقيقة وفي يسراه حقيبة يدوية سوداء مستطيلة ..سوداء تشبه كنزته ..الحقيبة كبيرة الحجم تشبه كثيرا حقيبة والده التي يصطحبها في سفراته المستمرة .. وينساها دائما عند العودة.. ليأخذ حقيبة أكبر في سفرته التالية.. والده ينسى كذلك في كل مرة أن يحضر له هدية.. إنه ليس ضخما كهذا الرجل إنه طويل ونحيف جدا ذو شارب مستقيم يختفي إذا ضحك وقلما يضحك أو يتكلم.. نظارته بنية اللون يحتفظ بها بعناية واهتمام في الرف الثالث من دولابه الطويل.. ذي الأرفف العديدة .. بجوار القناني الخضراء الغريبة .. والده حنون لكنه قلما يلاعبه أو يكلمه .. رغم أنه اشتكى له ما يعانيه من وحدة لعدم وجود إخوة له أو أخوات .. إنه يحب أباه هكذا .. في نهاراته الصامتة.. عندما ينزوي وحيدا على أريكته المريحة يطالع الجرائد.. وينفث الدخان من سجائره.. ويشاهد القنوات التلفازية ..يتمنى لو توقف الزمن به هناك.. وظل هادئا هكذا دائما .. لأنه في الليل يتغير تماما .. تحمر عيناه ..ويصفر وجهه.. يعلو صوته بألفاظ وتعابير لا يفهمها.. يغضب ويزمجر.. يحرق الجرس.. ويكاد أن يقلع الباب من شدة الطرق.. يكون عنيفا قاسيا مع أمي ..رغم بكائنا ومناشدتنا له أن يتوقف .. يشتمها .. يرفسها .. ينهال عليها ضربا ..وفي الأثاث تحطيما ..يوجه إليها كلاما لا يفهم.. يغني يرقص يكثر التمايل يصيح يبصق يسقط ثم يغيب عن الوعي.
**********
سرت قشعريرة لطيفة في جسده ..مسح دموعا انسلت من عينيه دون وعي.. يحس بشئ يدغدغ أنفه من الداخل ثم “آتشوه” عطسة بريئة يخجل من اندفاعها.. يزدرد لعبا فمه ويمسح أرنبة انفه بكم كنزته الصوفية المزركشة في الجزء الأعلى منها صورة دب قطبي أبيض.. الدب صغير يقف مبتسما على رجليه الخلفيتين ..أرجل الدب قصيرة رمادية.. يغالب الطفل تثاؤبا يتسلل من فمه.. بدأ يشعر بدفء بسيط الآن فضوء النهار يشع ويزحف على الشارع ..رجلاه لا تكلان من المشي رغم تعبه.. يحالفه الحظ إذ يشاهد مقعدا خشبيا للاستراحة بجانب حوض دائري منسق تنساب وسطه مياه نافورة قصيرة بشكل رتيب ممل وقد أحاطت بها ورود وأزاهير وحشائش ..شعر بدفء من نوع آخر تعجب من كثرة أعقاب السجائر حول الحوض وداخله.. تذكر والده أراد أن يعدها كما علمته الآنسة في الروضة.. واحدة اثنتان ثلاثة لم يستطع أن يتجاوز الرقم عشرة .. فلا هو قادر أن يميز بين أعقاب السجائر التي عدها والتي لم تعد.. ولا هو يعرف ماذا يأتي بعد الرقم عشرة.
السابلة ..يزدادون تدفقا كسيل عرم ..ما أكثر الناس.. لوهلة أراد أن يعدهم ثم طرد الفكرة .. عرف أن قصة أعقاب السجائر ستتكرر.
**********
حشرة غريبة أخذت تقترب من قدمه.. التفت يمنينا ويسارا .. قبل أن يسحقها بنعاله.. كانت أمه تمنعه عن هذا .. لكنه كان يعود مرة بعد مرة كلما غفلت عنه في نزهاته القليلة إلى حديقة المنزل.. كم ضبطته يمزق القماش بأسنانه.. أو يقطع الستائر بمقص.. أو يعذب القطة .. أو يكسر شيئا في البيت فتعاقبه في كل مرة ولا يتوب.. كيف يخبرها أنه يفعل تلك الأمور دون قصد.. يفعلها قسرا بالرغم عنه.. وأنه يشعر براحة لا توصف عندما ينشغل بها عما يختلج في قلبه من حزن وآلام.. أخت ذبابة مشاكسة تحوم حول رأسه .. كلما هش عليها عادت لتحط كم جديد على أنفه.. أزعجته الماكرة .. وجعلته يغضب.. تذكر أن الذباب لا يقترب إلا من الأجسام الوسخة كما قالت له الآنسة.. تمنى أن تكف عن إيذائه ” آه ” ليتها كانت تزحف ولا تطير إذن لكنت عرفت التعامل معها. هرة رمادية اللون ظهرت من أحد محلات الجزارة .. الهرة الرمادية لم تكن كبيرة.. كانت تصدر مواء توسل.. يقطع القلوب..( مياووو- مياوو) اقتربت منه أكثر.. لاحظ أن ذيلها أقصر مما يجب.. وأن ثمة عرج خفيف في قدمها اليمنى.. هرة متشردة بدت له.. جائعة بائسة وحيدة.. تقدمت إليه بشجاعة.. كاد أن يتخذ قراره المعتاد بركلها لو لم تعمد الهرة إلى ذلك الصنيع الغريب المفاجئ .. لقد أخذت تلعق أصابع قدمه .. لعابها الدافئ العجيب وملمس لسانها الطري اللطيف.. أدهشاه .. ما كان يظن أن القطط تجيد لعق شيء عدا الحليب.. القطة الفارسية السمينة التي تصول وتجول في المنزل لم تلعق يده قط فضلا عن رجله ثم ما لهذه الهرة الصغيرة المسكينة تداعب ساقيه بأكملها تحتك بهما بكامل جسدها الضئيل تلف قليلا في فرحة وحب ترفع ظهرها ثم تنزله وتعود للاحتكاك .. بدءا من رأسها وحتى نهاية ذيلها المقطوع.. يا لها من هرة ودودة.
راقب صنيعها بفرح وذهول .. علم أنها جائعة مثله وتحس بالبرودة كإحساسه وتفتقد أمها وربما أباها النهاري كحاله وتضيق بالمارة والسيارات كضيقه ..علم كل ذلك بعقله الصغير .. عندما قفزت الهرة إلى أعلى المقعد ثم إلى حجره لتضم جسدها وتخفي رأسها وترقد في سلام ..لقد فهم الطفل أخيرا أن القطط ليست سيئة على إطلاقها .. داعب رأسها بيده دغدغ رقبتها بأصابعه.. لمس أنفها البارد كأنفه.. ضمها بألفة وحب غامر إلى صدره.. خبأها في ثنايا كنزته.. وقال ناطقا في همس لأول مرة في هذا الصباح الشتوي بعد أن أودع قبلة حانية على رأس الهرة :
- لا تخافي يا هرتي الغالية منذ اللحظة أصبحنا صديقين وفيين لبعضنا .. وإلى الأبد.

سمير العريمي

إلى الأعلى