الأحد 18 نوفمبر 2018 م - ١٠ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / القراء ة .. معرفة وطاعة ونمو وازدها

القراء ة .. معرفة وطاعة ونمو وازدها

مساعد المفتي العام للسلطنة :

القراءة هي أساس عمارة الحضارة والباعث الأول لقيام صلات البشر

الحضارة المنبثقة من الرسالة الخاتمة هي حضارة علم وبحث وقراءة وإنعاش عقل

اعداد ـ أحمد بن سعيد الجرداني:
اخي القارئ الكريم أختي القارئة الكريمة : نطوف بكم اليوم في جولة سريعة حول أهمية القراء والمطالعة وما يترتب فيها من أمور عظيمة ، لأن بالقراءة والمطالعة ينال المطلع أعلى الرتب من تقدم ونمو وازدهار في جميع مناهل الحياة لذا كانت لنا هذه المتابعة في برنامج (سؤال اهل الذكر) الذي يبثه التلفزيون العماني ضيف الحلقة فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة وتقديم الدكتور سيف بن سالم الهادي حيث كانت الحلقة بعنوان:(القراءة مطالعة ومعرفة) ولأهميتها نترككم مع الموضوع ..

قال فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة: إن أهمية أن يكون مفتتح وحي الله لنبيه ـ عليه الصلاة والسلام ـ في هذه الرسالة الخاتمة تكمن في الدلالة على ان هذا الدين جاء لنفي الاستبداد المعرفي وفي صدارة الاستبداد، استبداد رجال الكهنوت الذين يحولون بين الناس وبين وحي الله تبارك وتعالى الهادي للصراط المستقيم، فكون أول آية يتلقاها النبي (صلى الله عليه وسلم) هي (اقرأ) في هذا اذاناً بأن الحضارة المنبثقة من الرسالة الخاتمة هي حضارة علم وبحث معرفة وإنعاش ونظر وعلم واقلام وقراءة وعقل وكل ما يمكن أن يرتقي بفكر الإنسان ويغذي عقله ويبعث فيه حب الاستطلاع لما في هذا الكون ، ليزيد يقينا بالله والإيمان بالغيب والنفاد بعد ذلك إلى حسن الطاعة له ـ جلّ وعلا.
ومع نفي الاستبداد المعرفي هو نفي الجهل عن الإنسان، فإن الإنسان الجاهل غرضة للوقوع اسيراً، أسيرا للخرافات والاوهام والأساطير لينحط بعد ذلك الى مستوى البهائم العجماء غواية وظلالة وبعيدا عن المنهج الرباني الذي يريده له خالقه ومدبر هذا الكون جل وعلا هذا أيضا يلحظ من هذا المعنى، كذلك في هذا الوحي الأول الذي تلقاه الرسول (صلى الله عليه وسلم) مساواة للبشر فإن كان الخطاب موجه للرسول (صلى الله عليه وسلم) إلا أنه يصدق خطاباً لكل من وصلهم ، فهم سواء في تلقي هذا الخطاب فهم مأمورين بالقراءة (باسم ربك الذي خلق) فلا يمكن أن يستعلي أحدا على أحد، لئن الكل مخاطبين ومدعون لامتثال هذا الأمر .
وأكد فضيلة الشيخ حول الحكمة من ذلك قال: الحكمة كون مفتتح الوحي بهذه الآيات الكريمة من سورة العلق انها تأذن بأن القراءة هي اساس الحياه وهي منهج حركة هذا الانسان وهي اس تعمير حضارته وهي الباعث الأول في اقامة صلات بين بني البشر بعضهم لبعض، وهي المكون الجهوري في نقل التراث الانسان والعلوم والمعارف والثقافات والحضارات إلى ان يرث الله تعالى الأرض ومن عليها. وذلك تفاعلت مع هذا الخطاب كل الحضارات وكل أصحاب الملل، انتعشت عندهم القراءة والعناية بالكتاب وادركوا ان سر النماء والتطور انما يكمن في إقرأ، لذلك نجد انه من يأخذ ويتبع هذا المنهج فإن الله تعالى يكتب له الريادة، ومن يتخلف ينال الجهل والضعف والهوان.
وحول منهج القراء والسمات يبن لنا فضيلة الشيخ الدكتور قائلاً: الآيات الخمس الأولى التي أول ما أنزلت تكرر الأمر بالقراءة مرتين وهي (اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الانسان من علق، اقراء وربك الاكرم، الذي علم بالقلم ..) لكن الحث على العلم والقراءة وما يتصل بالعلم من أدوات ورد كثيرا في كتاب الله ، وعناية الرسول (صلى الله عليه وسلم) كانت بعناية الوحي وقد كرم من يحسن القراءة والكتابة فخصهم أن جعلهم كتبة الوحي وكان يفادي أسرى المشركين بتعليم أبناء المسلمين القراءة والكتابة، ولذلك إن القراءة من أخص سمات هوية المسلمين ولابد منها اليوم حتى تفهم الأجيال المتتابعة أن القراءة من جوهر وأخص هويتهم الإسلامية.
إذن فهمنا هذا، أمكن لنا النظر في حضارة المسلمين فقد أخذوا من غيرهم ما يوافق الحق ونقوه من الشوائب وأضافوا إليه من أبحاثهم وبلغوا مكانا عظيما من العلم والمعرفة بمختلف أنواعها كالتاريخ والفلك والرياضيات والفيزياء والطب، فهذه الريادة العلمية كان منشأها تلك النقلة الحضارية التي أنشأها القرآن فيها ومن المعايير التي يستند إليها في المؤسسة العلمية من أبحاث واقتباس إنما هو من القرآن الكريم.
وما نفع التعرف على هذه الحقيقة إلا أن ندرك أهمية القراءة وأن القرآن الكريم شكل لنا الهوية الحقيقية ولذلك لابد اليوم أن نعود الى معرفة أن القراءة ليست من الفواضل ولا يمكن جعلها من آخر أولوياتنا وعلينا أن نجعل في صدارة ما نقرأ ما نتمكن به من فهم القرآن ومعرفة حسن بيانه حتى نشعر بجمال القرآن ونتذوق حلاوته وحتى يصححوا نظرتهم للحياة وإلى الناس فيها.
وعمّا الذي تصنعه القراءة في شخصية الإنسان قال فضيلة الشيخ: ثبت علمياً بالنسبة للشخص البالغ أن القراءة تحفز التركيز وتنشط الذكاء وتقوي الذاكرة وتعين على الإبداع وتكسب مهارات كما أنها تنفي أمور سلبية كالتوتر وتعالج الاكتئاب وتطيل العمر وتكافح الشيخوخة ويقصد بها الأمراض المصاحبة للشيخوخة، فالقراءة تنفي هذه الآثار السلبية جميعا وعلى مستوى الأطفال تنمي المهارات الإبداعية وتنمي قدرتهم على التواصل مع الآخرين والإبداع في الكتابة وتدعوهم إلى مزيد من القراءة والبحث والدراسة .. ولكن عدد من أرباب الوعظ والإرشاد والفتوى تضيق أنفسهم بالسؤال والبحث.
وبين القراءة إن كانت باعثة للشبهات أو تؤثر على الأخلاق ينصح أن يُحصن القاري بالقراءة النافعة المفيدة حتى يستطيع القاري الحصول على المفيد والجواب الشافي عن ما يدور في ذهنه.
ودعا فضيلة الشيخ الدكتور كهلان الخروصي المسؤولين بأن ينتقوا ما هو أكثر نفعا وفائدة وتحصينا لأجيال المسلمين وهناك اليوم وسائل للقراءة ما عادت محصورة وهناك وسائل تُمكن من الرد على الشبهات التي يُثيرها خصوم الإسلام ولا مانع من استشارة أهل الدراية والاختصاص.
وأجاب فضيلة الشيخ عن سؤال وجه إليه حول عبارة (أمة اقرأ لا تقرأ) فقال: أنا لم أطلع على إحصائيات أمينة فكل الإحصائيات بها مبالغة واضحة في رفع شأن قراءة غيرنا وتحقير قراءتنا ، والسواد الأعم يقرأ بقصد الترفيه والتسلية بما يعرف بالخيال المحض حتى من تصنيف النقد هو متدني جدا ومع ذلك تلقى رواجا مع أنها لا تحقق معرفة كما نتمنى وجود إحصائيات دقيقة، لأن قبول الإحصائيات التي تنشر قد تورث المسلمين شيئاً من القنوط.
وفي السنوات الأخيرة ملاحظ أن هناك توجه إلى القراءة من أبناء المسلمين وهذا لا يمنع من وجود أزمة قراءة وتأليف وترجمه ونشر ومع ذلك لابد لنا من التصحيح ولابد أن يكون هناك مبادرات ومشاريع تحث الناس على القراءة بمختلف أطيافهم وتركز على الناشئة بطريقة تبعث فيهم الشغف للتعرف والتثقف.
وعن أنواع الكتب والاوقات والمجالات في القراءة قال فضيلته: كل إنسان عليه أن يتبين ما هو أفضل من أوقات وأنواع الكتب ويختار متى يكون أكثر تركيزا وأن يحدد لنفسه قدرا في مجال من المجالات ويضع لنفسه خطة وبرنامج ولا يشترط التقيد ولكن تحمل النفس على توفير وقت وأجواء وظروف تعين على القراءة، والناس يتفاوتون في قراءتهم وكل إنسان إن لم يذاكر ما قرأ يعتريه السهو والنسيان وعدم الدقة، فالقراءة ليست أمر هامشي بل علينا أن نقرأ أكثر حتى ترسخ المعلومات ثم الحوار مع إخواننا وأصحابنا ونتذاكر تلك الحصيلة التي قرأناها وبهذه الوسائل يمكن أن نجدد المعلومات التي قرأناها.
وحول علاج السأم من القراءة قال فضيلة الشيخ مساعد المفتي العام للسلطنة: العلاج يكمن في القراءة نفسها فالسأم منها يعالج بالقراءة فإذا كان يقرأ في التاريخ يجدد الهمة بقراءة مجال تاريخي آخر غير الذي يقرأه. واذا قرأ شيء به صعوبة يجدد نشاطه بقراءة شيء خفيف يجدد له همته.
ومن ومن وسائل دفع الملل: أن يقرأ عن من برعوا في القراءة فعند قراءة عن ما بذله الصحابة والسلف من أوقات وأموال وأعمار في سبيل التدوين والكتابة يحفزه ذلك للقراءة، وأن يستعين بغيره في القراءة فينافسه وكذلك المسابقات بها تحفيز للاطلاع، ومن وسائل تجديد الهمة أن ينصرف قليلاً عن القراءة وأيضاً عليه أن يتدرج في القراءة حتى يتعود عليها حيث يبدأ بما هو أسهل وينتقل لما هو أصعب .. وهكذا، وما هو نافع ومفيد أن يكسر نمط قراءته لأشياء يسيره خفيفة وإن لم يجدي شيئا من هذه الوسائل فليختار طرقا غيرها تدفع عنه الملل.

إلى الأعلى