الإثنين 24 سبتمبر 2018 م - ١٤ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شذرات من هدى القرآن

شذرات من هدى القرآن

الـصـوم وأثـره في النفـس (27)

الحـمد لله رب العـالـمين، والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلين، وخاتم النـبيين وإمـام الـمتـقـين، وحجـة الله رب العـالـمين، وعـلى آلـه وأصـاحـبه أجـمعـين ، وعـلى الـتابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد :
فـلا زال الحـديث مـوصـولا عـن الـصيام وأثـره في الـنفـس، قال الله تعالى:)أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) (الـزخـرف ـ 32).
فأنـت لا تـأكـل مـما عـمـلـت وتـعـبـت عـلـيه، وإنـما تحـتـاج إلى مـا عـمـل الآخـرون والآخـرون يحـتاجـون إلى تعـمـلـه أنـت، لأنـك تحـتاج إلى أشـياء لا تستـطـيع أن تعـمـلها، فـلـذلك فأنـت محـتاج إلى ما يـعـمـله الآخـرون، فـمـثـلا ًرغـيـف الـخـبز الـذي ربـما هـو مـن أسـهـل الأشـيـاء، فـهـل بإمكانـك أن تـوفـر فـقـط رغـيـف الخـبز، فـما بالـك بـما تحـتاجه مـن مـطـعـم ومـلـبـس ومـشـرب ومـركـب وغـيره مـن مـتـطـلـبات الـحـياة ، لـتسـتـمـر حـياتـك عـادية.
إذن: الله الـعـلـيـم الـحـكـيـم ربـط مـصالح الـناس بـعـضهـم ببـعـض الآخـرون يتاجـون إلى تعـمله أنـت ، فـعـمـل الـجـمـيع مـن أجـل الـجـمـيـع وهـل يـسـتـطـيـع أن يـنـفـرد أحـد لـيـعـمـل ما يحـتـاجـه هـو نـفـسه أم أنـه محـتـاج إلى عـمـل غـيره وغــيره محـتاج إلى عـمـل غـيره وهـكـذا تسـير حـركة الحـيـاة كـما أراده الله ، وعـلى وفـق مـا شـرع لـهـا ونـظـم حـياتـهـا.
فالـفـلاح مـثـلا يـبـذر الـبـذر، لـكـنه يـحـتاج إلى الـصانـع الـذي يـصـنـع له الـفـأس، ويـصـنـع لـه الـمـحـراث، ويـصـنـع لـه الـساقـية، ويـصـنع له مـا يـتـعـلـق بـعـملـه في مــزرعـته وحـقـلـه، والــذي يـصـنـع ذلك كـذلك يحـتاج إلى مـن يـعـلـمه، ويحضـر لـه الـمـواد الأولـية مـواد الـخـام التي يـسـتـطـيع أن يـصـنـع مـا يـريــد حـسب عـلـمه ومـلـكاته.
إذن فـلـو سـلـسـلـت الأشـياء التي تـوصـلك إلى الـطـعـام، لـوجــدت حـركات الـكـون كـلها تخــدم هــذه الـمـسـألة، وهــكـذا نـحـد أن الأكـل مـن الـمال الـمــتـداول أمـر شـائـع بـين الـبـشـر، عـلى اخـتـلاف مـواهـبهـم وثـقافاتـهـم، ولـغـاتهـم ديـاناتـهـم، والله يـريــد أن يـضـبط حـركـة الـحـياة بـنـظـام ثـابـت، يخـضـع لـه الـجـمـيـع لأنـه لـفائـدة الـجـميـع، والــذي شـرعـه حـكـيـم عـلـيم لا تخـفى عـلـيه خـافـية.
وجـاء في تـفـسير الـقـرطـبي، قـوله تعالى:(أُحِلَّ لَكُمْ) لـفـظ:(أُحِلَّ)، يـقـتـضي أنه كان مـحـرما قـبـل ذلك، ثـم نسـخ وأحـل الله الـذي كان محـرما عـلـيـهـم تخـفـيـفـا ورحـمة مـنه سـبحانه وتعالى، وروى أبـوداود عـن أبي لـيـلى، قال وحـدثـنا أصـحابـنا، قال: وكان حـضـر وقـت إفـطـار الـرجـل ولـم يـفـطـر ونـام قـبـل أن يأكـل شـيئاً، امـتـنـع عـن الأكـل وظـل لـيـله ونهـاره صـائـماً، وكانـوا يخـتـانـون أنـفـسهـم وكان مـمـنـوعـا في أول مـا فـرض الـصـوم أن يـباشـروا زوجـاتـهـم، وقــد وقـع عـمـر بن الـخـطـاب فـيـما وقـع بـعـض الـصحابـة، فجـاء عـمـر بن الخـطاب فأراد امـرأتـه فـقـالـت: قـــد نـمـت ولا يـصح لـك ذلك، فـظـن أنها تـعـتـل (شـأن الـنسـاء في كـل زمـان ومـكان) فأتـاهـا، فـجـاء رجـل مـن الأنصار يـقال له قـيس بن صـرمة، إلى أهـلـه فأراد طـعـاماً، وقـالـوا لـه حـتى نسخـن لـك شـيئا ولـما سـخـنـوا له الـطـعـام، وجـدوه قــد غـلـبه الـنـوم فـنام، ولـم يـكـن مـبـاح لـه الأكـل إذا نـام، ولا مـباح لـهـم الـرفـث إلى نسـائـهـم في لـيـالي رمضان.
فـلـما أصـبحـوا نـزلـت هـــذه الآيـة وفـيها:( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللَّـهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّـهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ..) (الـبـقـرة ـ 187).
وروى الـبخـاري في تـفـسير سـورة الـبـقـرة، عـن الـبراء بن عـازب قـال: كان أصـحـاب محمـد (صلى الله عـلـيه وسـلم)، إذا كان الـرجـل صـائـما فحـضـر الإفـطـار ولـم يـفـطـر فـنام قـبـل أن يـفـطـر، لـم يـأكـل لـيـلـته ولا يـومـه ذلـك حتى يمسي، وأن قـيس ابن صـرمة الأنصاري كان صائـماً ، وفي رواية:(كان يـعـمل في الـنخـل بالـنهار وكان صـائماً)، فـلـما حـضر الإفـطـار أتى أهـله فـقال لـها: أعـنـدك طـعـام؟، قالت: لا ولـكـن انـطـلـق فأطـلـب لـك طـعـامـاً، وكان يـومه يـعــمـل فـغـلـبته عـينـاه فـنـام، فـلـما جـاءت امـرأتـه بالـطـعـام فــرأتـه نائـما قالت: وا خـيـبـة لـك، فـلـما انتـصـف الـنهـار غـشي عـلـيه، فـذكـر ذلك للـنبي (صلى الله عـلـيه وسـلـم)، فـنـزلـت الآية:(وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) (الـبـقـرة ـ 187).
وفي الـبخاري أيـضا عـن الـبراء بن عــازب قال: لـما فـرض صـوم رمضان، كانـوا لا يـقـربـون الـنسـاء كل شـهـر رمضان ، وكان رجـال يخـونـون أنفـسـهـم، فأنـزل الله تعالى:(أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ اللَّـهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّـهُ لَكُمْ ..) (الـبقـرة ـ 187)، يقال خان واخـتان بمعـنى مـن الخـيانة، أي تخـونـون أنفـسكـم بالـمباشـرة في لـيالي الـصوم، ومـن عـصى الله فـقـد خـان نـفـسه إذ جـلـب إلـيها الـعـقـاب، وقـد قال الـقـتبي: أصـل الخـيانة أن يـؤتـمـن الـرجـل عـلى شـيء، فـلا يـؤديه أنـه أمانة والأمانة يجـب أن تـؤدى.
.. وللحـديث بـقـية.

ناصر الزيدي

إلى الأعلى