الخميس 20 سبتمبر 2018 م - ١٠ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / النجاة والناجون (5)

النجاة والناجون (5)

إذا كان الإنسان المسلم يسعى جادًا لنجاته، ويحرص جاهدًا على نجاته في الدنيا من كل ما يكرهه، ومن كل ما ينغص عليه حياته، ومن كل ما يؤلمه، ومن كل ما يكدر عليه صفو عيشه؛ فمن الأولى والأجدر بالمسلم أن يكون أكثر حرصًا، وأكثر سعيًا، وأكثر اجتهادًا على نجاته من النار، ومن العذاب الأليم، والشقاء الأبدي.
وعلينا أن نعلم أن الناجي في الآخرة، هو الناجي في الدنيا، وأن الهالك في الآخرة، هو الهالك في الدنيا، وأن الناجي هو السعيد، وأن الهالك هو الشقي، وعليه فإن السعيد في الآخرة، هو من كان سعيدًا في الدنيا، والشقي في الآخرة، هو من كان شقيًا في الدنيا، وليس كما يظن البعض أن من كان سعيدًا في الدنيا يكون شقيًا في الآخرة، ومن كان شقيًا في الدنيا يكون سعيدًا في الآخرة، فالحقيقة القرآنية هي كما يكون الإنسان في الدنيا يكون في الآخرة بدليل قوله تعالى:)فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ، وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ) (طه 124 ـ 125)، ويقول تعالى ممتنًا على نبيه (صلى الله عليه وسلم):(ألم نشرح لك صدرك) (الشرح ـ 1)، ويقول تعالى:(فَمَن يُرِدِ اللَّـهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء) (الأنعام ـ 125)، ويقول تعالى:(الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّـهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّـهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد ـ 28)، ويقول تعالى:(يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي) (الفجر 27 ـ 30)، ويقول تعالى:(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل ـ 97).
ويقول النبي (صلى الله عليه وسلم):(من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا) (رواه الترمذي، رقم الحديث: 2346).
ولقد أدرك هذه الحقيقة الناصعة، وفهِم هذا المنهج القويم الصحابي الجليل ربعي بن عامر ـ رضي الله تعالى عنه ـ عندما قال للقائد الفارسي رستم:(نحن قوم ابتعثنا الله لنخرجكم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة).
فالسعيد من كان قريبًا من الله تعالى، والشقي من كان بعيدًا عن الله تعالى إذ القُرب من الله تعالى يحقق الهدوء والرضا، والسكينة والطمأنينة، والبُعد عن الله تعالى، يورث النكد والمرارة، والتعاسة والبؤس، فالبعيد عن منهج الله تعالى؛ تضيق عليه نفسه، ويضيق عليه صدره، وينقبض قلبه، فيعيش مضطربًا كئيبًا، يعيش وكأنه في خرم إبرة، يرى الحياة سوداء قاتمة، ويرى الدنيا عبثًا لا حكمة لها، ولا غاية منها، أما من يعيش وفق منهج الله تعالى، تتسع نفسه، وينشرح صدره، ويطمئن قلبه، فيعيش في سعة وراحة؛ يملأ الحياة بالتفاؤل، فيراها جميلة، لها غاية عظيمة، ولها حكمة جليلة، فيجعلها ميدانًا للعمل، ومضمارًا للتنافس، ومزرعة للآخرة.
بقي كيف نوفق بين هذا وبين حديث رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) (رقم الحديث: 2956).
والجواب: هذا حديث اختلف فيه من حيث الرفع والوقف، كما أشار إلى ذلك الدار قطني في علله، والذين يصححونه يحملونه على معاني منها: أن الدنيا مهما طاب نعيمها فإنها للمؤمن بمنزلة السجن؛ لأن المؤمن يتطلع إلى نعيم أفضل وأكمل وأعظم في الآخرة ذلكم النعيم الأبدي هو الجنة التي فيها ما لاعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وهذه السعادة الأبدية لا يمكن أن تقارن بسعادة الدنيا مهما عظمت، وهي للكافر جنة مع ما فيها من كدر وغم وشقاء، مقارنة بما سيجده الكافر من عذاب أليم وشقاء أبدي في النار، إذ شقاء الدنيا مهما اشتد فإنه لا يساوي شيئًا بالنسبة للشقاء الآخرة، ولئن كان هذا هو معنى الحديث فإنه لا يتعارض مع ما قلنا.

يوسف السرحني

إلى الأعلى