الأربعاء 21 نوفمبر 2018 م - ١٣ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الـصـوم وأثـره في النفـس (28)

الـصـوم وأثـره في النفـس (28)

الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلين وخاتم النـبيين وإمـام الـمتـقـين وحجـة الله رب العـالـمين وعـلى آلـه وأصـاحـبه أجـمعـين، وعـلى الـتابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـلا زال الحـديث مـوصـولاً عـن الـصيام وأثـره في الـنفـس، وذكـر الـطـبري: أن عـمـر بن الـخـطاب ـ رضي الله عـنه ـ عـنـد مـا رجـع مـن عـنـد الـنبي (صلى الله عـلـيه وسلم)، وقـد سـمـر عـنـده لـيـلة فـوجـد امـرأته قـد نامـت فـأرادهـا، فـقالت لـه: قـد نـمـت، فـقال لـهـا: ما نـمـت فـوقـع بـهـا، وصـنـع كـعـب بن مالك مـثـله، فـغــدا عـمـر إلى الـنـبي (صلى الله عـلـيه وسـلـم) فـقـال: اعــتـذر إلى الله وإلـيـك، فإن نـفـسي زيـنـت لي فـواقـعـت أهـلي، فـهـل تجــد لي مـن رخـصة؟ فـقـال لي الـرسـول:(لـم تـكـن حـقـيـقـا بـذلك يا عـمـر)، فـلـما بـلـغ بـيته أرسـل إلـيه فأنـبـأه بـعــذره في آيـة نـزلت مـن الـقـرآن الـكـريـم، قال تعالى:(أُحـلّ لكم لـيلة الـصـيام الـرفـث إلى نسـائـكـم)، فـفـرحـوا فـرحـاً شـديـداً.
وذكـره الـنحاس ومـكي، وأن عـمـر نام ثـم وقـع بامـرأتـه، وأنه أتى الـنبي (صلى الله عـلـيه وسلم) فأخـبره بـذلك فـنـزلـت الآيـة:(عَلِمَ اللَّـهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ ..).
قـوله تعالى:(لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ)، الـرفـث: كـنايـة عـن الـجـماع، لأن الله عـز وجـل حـيي كـريـم، يحـب مـن عـبـاده أن يـتخـلـقـوا بخـلق الحـياء، لأن الحـياء مـن الإيـمان، قاله ابن عـبـاس والـسـدي، وقال الـزجـاج: الـرفـث: كـلـمة جـامعـة لـكل مـا يـريــد الـرجـل مـن امـرأتـه، وقاله الأزهـري أيـضاً، وقال ابن عـرفـة: الــرفـث هـهـنـا الجـماع، والـرفـث: الـتصـريـح بـذكـر الـجـماع والإعـراب به، وقـيـل الـرفـث: أصـلـه قـول الـفـحـش مـن الـكـلام، يـقال: رفـث إذا تكـلم بالـقـبيح، وتـعــدى:(الـرفـث) بـإلى في قـوله تعـالى:(الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ) وأنت لا تقـول: رفـثـت إلى الـنساء، ولـكـنه جـيء بـه محـمـولاً عـلى الإفـضاء، الـذي يـراد بـه الـمـلابـسة والمـلامـسة والـمـبـاشـرة، في مـثـل قـولـه:(.. وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا) (الـنـساء ـ 21).
وقال تعالى:(وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا) (الـنـساء ـ 43)، ومـن هـذا الـمـعـنى:(وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ) (الـبـقـرة ـ 14)، كـمـا جـاء قـوله تعالى:(يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا) أي: يُـوقـد لأنـك تقـول: أحـمـيت الـحـديـدة في الـنـار.
قـال تعالى:(هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ) ابـتـداء وخـبر، وشــددت الـنـون مـن:(هـن) لأنـهـا بـمـنـزلة الـمـيـم والـواو في الـمـذكـر:(وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ) أصـل اللباس يـعـرف في الـثـيـاب بأنـواعـها، ثـم سُـمّي امــتـزاج كـل واحـد مـن الـزوجـين بـصاحـبه لـبـاساً وسـتراً، ولأن الـرجـل يستـر الـمـرأة، والـمـرأة تسـتر الـرجـل، لانـضمام الجـسـد بالجـسـد، والتصاق بـعـضـهـما بـبعـض وامـتزاجـهـما، وتـلازمـهـما تشـبها بالـثـوب، وقال بـعـضهـم: يـقال لـما ســتر الـشيء وداره لـباس، فـجـائـز أن يـكـون كل واحـد منـهـما ســترا لـصاحـبه عـما لا يـحـل، كـما ورد في الـخـبر، وقـيـل: لأن كل واحـد مـن الـزوجـين سـتـر لـصاحـبه فـيمـا يـكـون بـينهـما، مـن الافـضـاء والـجـماع مـن ابـصار الـنـاس لـهـما، وقال أبـو عـبـيـدة وغـيره: يـقال للمـرأة هـي لـباسـك وفـراشـك وإزارك، وقال أبـو عـبـيـدة: أي نسائي، وقـال الـربـيع: هـن فـراش لـكـم، وأنـتم لحـاف لهـن، وقال مجـاهــد: أي هـي سـكـن لـك، أنـت سـكـن لـها يسـكـن بعـضكـم إلى بعـض.
قال تعالى:(عَلِمَ اللَّـهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ ..)، يسـتأمـر بعـضـكـم بـعـضاً في مـواقـعـة الـمحــظـور، مـن الـجـماع والأكـل والـشـرب، بـعـد الـنـوم في لـيالي الـصـوم، كـقـوله تعالى:(تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ) يعـني: يـقـتـل بعـضـكـم بـعـضاً، ويحـتـمـل أن يــريــد به كل واحــد منـهـمـا في نـفـسـه بأنه يخـونـهـا، وسـماه خـائـناً لـنفـسه مـن حـيث كان ضـرره عـائـداً عـلـيه مـن جـراء خـيـانـته كـما تقـدم.
وقـوله تعالى:(فَتَابَ عَلَيْكُمْ)، يحـتـمـل معـنـيين أحـدهـما: قـبـول الـتـوبة مـن خـيانتهـم لأنـفـسهـم، إذا بادرتـم وأسـرعـتم بالـنـدم والـتـوبة عـما بــدر وصـدر مـنـكـم، والآخـر: التخـفـيف عـنكـم بالـرخـصة والابـاحـة، التي تـكـرم الله بـها عـلـيـكـم لـما عـلـم مـن ضـعـفـكـم وعـدم صـبركـم.
.. وللحـديث بـقـية.

ناصر الزيدي

إلى الأعلى