الإثنين 19 نوفمبر 2018 م - ١١ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الاستئذان مشروعيةً وتطبيقًا (1)

الاستئذان مشروعيةً وتطبيقًا (1)

كم هو جميل أن يزور المسلم أخاه المسلم بين الحين والآخر ما أمكنه ذلك، وكم هو محبب أن يزور المسلم أخاه المسلم بين الفينة والأخرى ما تيسر له ذلك للسلام عليه، والسؤال عن صحته، والاطمئنان على أحواله، والاستئناس به، وإدخال السرور على نفسه، وتقديم ما يمكن تقديمه له من عون ومساعدة إن اقتضى الأمر ذلك.
إن زيارة الآخرين من أقارب وأرحام، ومن جيران ومرضى، ومن أصدقاء ومعارف، من الأمور المحببة للنفس، ومن الأشياء المسعدة للإنسان، وهي مشروعة في الإسلام لما لها من فوائد عظيمة، ومنافع جليلة، ولا ريب أن لزيارة الغير آدابًا على الزائر أن يكون على علم ودراية بها من أهمها: اختيار الوقت المناسب، والظرف الملائم للزيارة بحسب ما يرشد إليه الشرع الشريف، ويقبله الذوق السليم، والطبع الكريم، وبحسب ما يمليه العرف الاجتماعي؛ فلا تكون الزيارة مثلاً في وقت النوم أو الراحة كوقت الظهيرة أو بعد العشاء، ولا تكون في وقت العمل أو الارتباط بموعد، ولا تكون في وقت الاشتغال بشيء كأداء الصلاة، أو طلب العلم، مع مراعاة الزائر أحوال من يزوره من حيث الصحة والمرض، ومن حيث الفرح والحزن، ومن حيث الانشراح والانقباض، ومن حيث الانبساط والامتعاض، ومن حيث الفراغ والاشتغال، ومن هذه الآداب أن يبتغي الزائر بزيارته وجه الله تعالى، فالزيارة من أجل القربات التي يتقرب بها العبد إلى خالقه سبحانه، ومن أجل الطاعات التي يؤجر عليه المسلم ويثاب، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(أن رجلاً أخاً له في قريةٍ فأرصد الله تعالى على مدرجته ملكاً فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخاً لي في هذه القرية، قال: هل لك من نعمة تَرُبُّها؟ قال: لا غير أني أحببته في الله قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه) (رواه مسلم، رقم الحديث: 2567).
وعن أنس ـ رضي الله عنه ـ عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(ما من عبد أتى أخاه يزوره في الله إلا ناداه منادٍ من السماء أن طبت وطابت لك الجنة وإلا قال الله في ملكوت عرشه عبدي زار فيَّ وعلي قراه فلم يرضَ له بثواب دون الجنة) (رواه البزار بإسناد جيد، رقم الحديث: 1918)، كما رواه أبو يعلى، وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(من عاد مريضًا أو زار أخًا له في الله تعالى ناداه منادٍ بأن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلًا) (رواه الترمذي، رقم الحديث: 2008)، وعن عبادة بن الصامت ـ رضي الله عنه ـ قال: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يأثُرُ عن ربه تبارك وتعالى:(حقَّت محبتي للمتحابين فيَّ وحقَّت محبتي للمتواصلين فيَّ وحقَّت محبتي للمتزاورين فيَّ وحقَّت محبتي للمتباذلين فيَّ) (رواه أحمد بإسناد صحيح، رقم الحديث: 21527).
ومن أهم آداب الزيارة أن يكون الزائر على علم ودراية بها أدب الاستئذان، فالإسلام دين عظيم جاء ليصون كرامة الإنسان، ويحفظ له خصوصيته، لتبقى إنسانية الإنسان كما هي، ولتبقى كما أراد الله تعالى لها أن تكون إنسانية مكرمة مصانة محفوظة، ولتحقيق هذه الغاية الكريمة، ولتحقيق هذا الهدف السامي النبيل، شرع الإسلام من الأحكام والآداب ما شرع، ومن جملة الآداب التي شرعها الإسلام وأمر بها وأكدها وحث عليها ورغب فيها أدب الاستئذان، ومعناه طلب الإذن لدخول منازل الآخرين، وولوج بيوت الغير وغيرها من الأماكن الخاصة وذلك لأن تلك المنازل، وتلك البيوت، وتلك الأماكن لها حرماتها، ولها خصوصياتها، ولها أسرارها، ففيها أشياء خاصة، وأمور شخصية؛ لا يحب أصحاب البيت أن يراها غيرهم، أو أن يطلع عليها أحد من الناس.
فالاستئذان سجية حميدة، وخلق عظيم، وأدب رفيع، وفطرة سوية، وطبع كريم، الاستئذان واجب على كل مسلم ذكرًا كان أو أنثى، وواجب أن يربى عليه الصغار، فقد أمرنا الله تعالى به في كتابه العزيز، كما حثّ عليه وبينه وفصل أحكامه نبينا (صلى الله عليه وسلم)، يقول الله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ، لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ وَاللَّـهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ) (النور 27 ـ 29) .. وللحديث بقية.

يوسف السرحني

إلى الأعلى