الخميس 16 أغسطس 2018 م - ٥ ذي الحجة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / على أبوابِ العيد..

على أبوابِ العيد..

علي عقلة عرسان

” إن في فعل الخير عيدٌ للأرواح، وراحة للأنفس، وفرحٌ للقلوب، وفتحٌ لأبواب مغلقة، وآفاق مسدودة، قد يكون في إيصادها ظُلمٌ وظلامٌ وشدة، وفي فتحها حياة وأمل في الحياة وجِدَّة.. ومن يحتاجون إلى ذلك الفعل من الناس، هم أكثر من كثيرين، لا سيما في أقطار من وطننا العربي المنكوبة بعض بنيه، وفي بلدان عدة من بلدان المسلمين، عاثت بها الحرب وتعيث بها “قتلاً وتخريباً وتدميراً، للبنيان والإنسان والقيم والعلاقات”..”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كلُّ عامٍ وأنتم بخير.. عيدُكم سعيدٌ، وطاعتُكم مقبولة من الله، بإذن الله، وأجرُكم عنده عظيم.. “لكلِّ قومٍ عيدٌ، وهذا لِيامُ عيدِنا”، هكذا قال الرسول الأعظم، محمد صلَّى الله عليه وسلم، وبقوله ذاك لم يسمح بمنع الفَرح، بل أَذِن به.. فلمَ لا نفرحُ بالعيد.. وهذا لِيام عيدنا، عيد الفطر.؟!.. من حقنا أن نفرح، حتى ونحن في حال تراكم ما كان منا على ما كان، وحتى لو كانت في الحلوق غَصَّات وغَصَّات تسكب المُرَّ في اللَّهاة.. فالمناسبات الطيبة في الحياة، تساهم في تجديد القدرة على احتمال ما في نقائضها من شدة، وتفتح باباً للفرج بعد الشدة، وتجعل المرء يُقبِل على الحياة بعزمٍ وعمل وأمل. غَدُنا عيد، عيد الفطر، وهو يوم استمتاع بثمر الطاعة، بعد الصيام والقيام.. وينبغي ألَّا نعكِّر صفوَ العيد على أطفال يحلمون به، ويستيقظ في عيونهم الفرح في صباحه.. ولا على كبارٍ يُسعدُهم أن يصنعوا للصِّغار عيداً، وأن يروهم في بهجة ورضى وسعادة، يلعبون وينشِدون.. فليكن عيدُنا سعيداً، لا ظل فيه للامتحان أو المِحنة.. ولا شيئاً مما كان من شأن من طلبوا طلباً يكون فيه، تصديق، يصنع لهم طمئنانة وعيداً، فجاء قول الله سبحانه وتعالى فيهم:
﴿.. إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّـهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿١١٢﴾ قَالُوا نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ ﴿١١٣﴾ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّـهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴿١١٤﴾ قَالَ اللَّـهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَّا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ ﴿١١٥﴾-سورة المائدة. فكان لهم ما سألوا، وكان ما وعِدوا به، ووعدُ الله حق.
عيدُكم سعيد، بإذن الله، وكلُّ عامٍ وأنتم جميعاً بخير، وبرحمةٍ من اللهِ تعالى ونِعْمَة.
إن في فعل الخير عيدٌ للأرواح، وراحة للأنفس، وفرحٌ للقلوب، وفتحٌ لأبواب مغلقة، وآفاق مسدودة، قد يكون في إيصادها ظُلمٌ وظلامٌ وشدة، وفي فتحها حياة وأمل في الحياة وجِدَّة.. ومن يحتاجون إلى ذلك الفعل من الناس، هم أكثر من كثيرين، لا سيما في أقطار من وطننا العربي المنكوبة بعض بنيه، وفي بلدان عدة من بلدان المسلمين، عاثت بها الحرب وتعيث بها “قتلاً وتخريباً وتدميراً، للبنيان والإنسان والقيم والعلاقات”.. وانتشر فيها الإرهاب والرعب، إرهاب الأفراد والجماعات، والدول والعصابات، وترسَّخ فيها فسادٌ وإفساد منظوران رهيبان، شرَّشا وفرَّعا وترسَّخا، وأثمرا حنظلاً في القلوب، ورعباً في الدروب.. قلما تنجو منه منطقة أو فئة أو نفْس. ولا تتوقف حاجة أولئك الناس، ومن بينهم صغار كُثُر، وأيامى ويتامى وثكالى، ومقعدون ومعوَّقون، وعُجّزٌ وكبار في السن.. لا تتوقف حاجتهم على توفير طعام وشراب وكساء ودواءٍ فقط، رغم أهمية ذلك لهم، وضرورته لبقائهم على قيد الحياة، وليس بعيداً عن أشكال المُعاناة.. بل هم بأمس الحاجة إلى ألا تفتك بهم القوة الغاشمة، فيصبحون أشلاء، وأثراً بعد عين.. ويحتاجون إلى السكينة والاطمئنان والاستقرار في بيوتهم وأراضيهم وأوطانهم، ومواطن ذكرياتهم، وقبور ذويهم.. وإلى العودة من غربة الهجرة والتهجير، والقهر والتعثير، تلك التي فرضوها على أنفسهم لظروف، أو فُرِضَت عليهم لظروف أيضاً.. ومن حقهم العودة إلى أوطانهم ومدنهم وقراهم وبيوتهم.. وهم بحاجة إلى أن يجتمع شملهم مع ذويهم في عيد، بعد طول التشريد والتنكيد والوعد والوعيد.. فالعيدُ لقاء قلوب وعيون، والعيدُ صفاء أرواحٍ وأنفس، يصنعه اللقاءُ والتسامح والتصافي والتصافح، والعيدُ أمنٌ من جوعٍ وخوف، والعيد.. والعيد.. والعيد خيرٌ وعفوٌ ونعمةٌ وفَرَح.. فهل إلى فعلِ خيرٍ من هذا القبيل، وبهذا المفهوم والمعنى، من سبيل يا تُرى، لكي يتّسع ظل العيد، ولا نقول بأن يَعمَّ، فتلك مثالية لا نقول بها؟!.. وهل يشمل ذلك الظل الظليل للعيد، من يطالهم تهديدٌ ووعد ووعيد، ومن يعيشون في الفيافي والمَنافى، يستعيدون ذكرى عيد بعد عيد، ولا يكاد يصل إليهم غيث وعدٌ بمساواة وإنصاف وأمن وسلام، وليس وعداً بعيدٍ سعيد؟!.. أم أن على قلوبٍ أقفالُها المُحكَمَة الإغلاق، حتى بوجه الخير والبِرِّ والحُسنى والعيد؟!وبوجه أمر الله بالرحمة والعدل، ونهيه سبحانه، عن قتل النفس التي حرَّم قتلها إلا بالحق، والحق عدل مُحكَم وحكيم.. وبوجه تجريمه لمن يمارس الفساد والإفساد في الأرض، وينشرهما قحطاً وصحارى وجبالاً، وتجريمه أيضاً لمن يوقظ الفتنة، ويحرِّضُ على خوضها، ويُشعِلُ نارها، ويُضري تلك النار، ويستثمر فيها..؟!وهل الواجب يقضي بأن يقوم بهذا الفعل الإنساني -الأخلاقي المنقِذ، أهلُ الحل والعقد، ومَن بيدهم الأمر والنهي، ومن لهم مسؤولية وسلطة وقرار وقدرة واقتدار، ومَن تحت إمرتهم جيوش وأجهزة وإمكانيات وسلطات، ولهم من الإمكانيات ما يؤثر في الأحداث، وهم يحكمون شؤون الناس، وقادرون على أن يصنعوا الخير للناس، إن توفرت لهم إرادة القيام بذلك؟!.. أم أن هذا الفعل لا يقع على عاتقهم فقط، بل يقع أيضاً على عاتق مَن يقدرون، ولو بممارستهم لأضعف الإيمان، حيث تكون لهم شراكة من نوعٍ ما في اتخاذ القرار، أو النصح باتخاذ قرار يؤدي إلى السلم والعدل والأمن والاستقرار..؟!أم أن هذا شأن مُهمَل، يقول به القوالون، ويجترُّه الحكّاؤون، والطوباويون، ويُترك على هوامش الهوامش، عند مناقشة الشؤون العامة، الهامة وغير الهامة.. ويُغضُّ الطرف عن كل مَن يقوله، إن كان من أهل العطف واللطف.. بينما يُلطَم، بسببه، وجهُ من تأخذه حماسة، ويفيض به الكيل، فيترك الكياسة، ويصرخ من ألم؟!أم أنه فعلٌ، يُنظَر إليه في أكثر من مجال، على أنه غمغمة مهتمين بالكلام عن الخير والشر، وعن الحكم والعدل، لا يرضيهم شيئ، ولا يقفون على أرض صلبة، و.. و.. من العارفين وأتباعهم من العوام.؟!
في الأحداث والصراعات المُؤثرة بقوة واتساع، وربما بشمول أيضاً، في مصائر الأمم والشعوب والدول، وعلى حياة الناس في الجوهر والعَرَض.. ولا سيما من ذلك:”الحروب والأزمات الشديدة، والكوارث، والضائقات، والجائحات بأنواعها”، وكذلك في المُناسبات والأعياد الدينية والقومية والوطنية.. تتجلَّلى المَسؤولية الأخلاقية والقانونية والوطنية والإنسانية، أو يُفْتَرَض بها أن تتجلَّي، بأبهى صورها.. لا سيما عند مَن ينظرون إلى المَسؤولية على أنها تكليف وتقدير وثقة، وأمانةٌ يُحاسَب عليها المسؤول أمام الله والشعب والتاريخ والقانون.. فيشعرون بأبعادها وتكاليفها وتبعاتها، وانعكاساتها على الناس في حياتهم، سلباً وإيجاباً.. وفي مثل هذه الظروف والحالات، تظهر القدرات الحقيقية للأشخاص، والأهلية الشخصية والقيادية، والكفاءة المعرفية، والحكمة النظرية -العملية.. فيُختَبَرُ معدن الشخص وجوهره، وتتجلى مكارم الأخلاق، والتضحيات، والعبقريات، والبطولات.. ويصنع القادر العادل الحكيم، من أولئك، ما يجعله مُنقذاً للأوطان، ونافعاً للإنسان، وبانياً للحضارة والعمران.. الأمر الذي يؤهِّله للخلود في الذاكرة والوجدان، رمزاً وقدوة، ويجعله يتبوأ مكانة جليلة، في صفحة ناصعة، من صفحات التاريخ..
أمَّا الذين ينظرون إلى المسؤولية على أنها:”فُرْصَةٌ سانحة للذّات ولمصالح الذات، وجني المُكتسبات، واستقطاب المُقربين من الذات، ويرونها غنيمة ناجزة، نالوها بقدرات هيأتها لهم ظروف الحياة، وأنها تشريفٌ مُستحِق، ونوعٌ من حيازة بأنواع الدهاء والمَكر والقوة والشَّطارة والمهارة، تُحمى بكل الأساليب والأفعال والأقوال والوسائل والأدوات، وحمايتها والمحافظة على اكتنازها حق، وأنها الحياة التي ليس من دونها حياة.. وأنها.. وأنها..”فأولئك لا يهمّهم أن يحكّموا العقل والدين والقيم والوجدان في شؤون الشعوب والأوطان، وفي مصائر الناس وأمورهم، في حقوقهم وواجباتهم، وفي ما ينالهم من بؤس وشقاء، وفي ما يتصل ببقائهم ونمائهم، راحتهم وطمأنينتهم، “حريتهم وسعادتهم؟!”.. ولا يهمهم حكمُ الناس ولا حكم التاريخ عليهم، فأي ناسٍ وأي تاريخ يمكن أن يصمد أمام عظمة الوهم المتجلي جبروت قوة، واقتداراً بلا ضفاف، وبقاء يكتسح المَوت والعدم في دروب “بُناة الحياة”؟!.. ولذا فهم يرتعون كما يشاؤن، في كل مجال من المجالات، ويعبثون بالحق والخلق، بالعدل والأحكام والأنام.. ويرفعون أنفسهم فوق الناس والقانون.. ويبنون لهم خلوداً في قممٍ فوق الإنسان، وفوق الذاكرة والوجدان، ويُحكِمون بقاءهم في تلك القمم، بأوتاد وأصفاد ورجال وعتاد.. إنهم يبنون خلوداً من نوع خاصٍ جداً جداً، مفروضاً بقوة القوة، لا يلبث أن ينقلب إلى النقيض، عندما يصحصح الحق، وتدول الدول، وتدور دورات الزمان.
في العيد، نذكِّر بمن حرمتهم من كل عيد، حروبُنا البَينيّة، والحروب الدولية في أرضنا، بنا وعلينا، والفتنةُ المذهبية والعرقية بأشكالها وألوانها وتداعياتها، تلك المستشرية بيننا، ظاهرةً وخفية.. فوضع حد لهذا كله، يؤسس لسلم وأمن وعدل، ليس للناس من دونهما فرحٌ حقيقي عميق، مهما طفت على سطح الأنفس وعلى الوجوه، صفحات من عيدٍ، أيِّ عيد.. فالحرب شرٌ كلها، وأيّ شر، وكوارثُها تتوالد وتتكاثر، وتشكل وبالاً شديداً على الناس والأخلاق والأوطان والقيم، حيث تفرّخ الضغائن والأحقاد والفساد والاستبداد والطغيان..وفي استمرارها واجترارها “هلاك وإهلاك، ودمار، وإضعافٌ للذات والقدرات والمَلَكات، واستمرار للاحتلال وتنمُّرٌ له، وعودة للاستعمار وإسنادٌ له، واستناداً إليه.. وكم ذقنا، نحن العرب والمسلمين، من الاستعمار، وكما نعاني من أشكاله، ونفوذه، ومن سيطرته على القرار والإرادة، ونخره لوحدة الأرض والشعب والسيادة، وإيقاعه بين أبناء الأمة الواحدة، ونهبه للثروات، وإثارته للصراعات، وتسبّبه في الويلات.
وفي العيد، نذكِّر الرّحماءَ بالضُّعفاء، والأغنياء بالفقراء، والمَالكين القادرين بالمُعدَمين والمُستضعَفين.. ونذكِّر الحاكمين بالمحكومين، وبأن “للمحكومين”الحق كل الحق، بأن يكونوا بشراً أحراراً، ومتساوين أمام القانون وشرع الله، مع الحاكمين، من حيث الحق والواجب، وما تقتضيه الحياة السليمة من شؤون وشروط، تجعل الناس متساوين في الحاجات والضرورات، وقل إن شئت “متساوين قريباً من أسنان المِشْط”.. ونذكِّر المستقرين بأمن وأمان في أوطانهم وبيوتهم وأعمالهم، بالمشردين الخائفين المبعَدين عن أوطانهم وبيوتهم وأعمالهم، وبمَن لا دخل لهم ولا عمل.. ونذكِّر كل نفْس، بمَن جعل الله سبحانه وتعالى، في مساعدتهم والعطف عليهم، وفي الشعور بمعاناتهم والإحسان إليهم، بِرْئاً للنفس وإبراءً لها، وتكفيراً منها عن أخطاء وخطايا، تسبب القلق والرهق والعذاب.. وجعل ذلك موضع تطبيق شرعه بالحق، وسبباً في نيل رضاه، إذ قال تعالى:﴿ إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلفُقَراءِ وَالمَساكينِ وَالعامِلينَ عَلَيها وَالمُؤَلَّفَةِ قُلوبُهُم وَفِي الرِّقابِ وَالغارِمينَ وَفي سَبيلِ اللَّـهِ وَابنِ السَّبيلِ فَريضَةً مِنَ اللَّـهِ وَاللَّـهُ عَليمٌ حَكيمٌ ﴿٦٠﴾-سورة التوبة.
وفي العيد، نسأل الله خيراً لجميع الناس، ورحمة بكلِّ الناس.
وكل عامٍ والبشر بخير.

إلى الأعلى