الخميس 16 أغسطس 2018 م - ٥ ذي الحجة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / عالمات عمانيات خلدهن التاريخ

عالمات عمانيات خلدهن التاريخ

سعيدة المهلبية
عزيزي الصائم .. عزيزتي الصائمة: نطوف بك فيما تبقى من أيامنا الجليلة من شهرنا المبارك في سلسلة من (عالمات عمانيات خلدهن التاريخ) وذلك عبر مقتطفات من عدة مصادر تاريخية (بتصرف) .. وذلك من أجل الاستفادة والتعرف على تلك الشخصيات الفاضلة .. من مواقف وأحداث مختلفة بأسلوب شيق وبسيط.
لقاؤنا اليوم مع امرأة عابدة مُخبِتة .. سيرتها دعوة إلى الله وشجاعة في نصرة الحق من أجل سطوع ضياء الاستقامة، كان موقفها النبيل مع طلاب العلم كفيل بأن يعرّضها للتنكيل والعذاب والتمثيل والقتل، ولكن قلبها امتلأ بالخوف من الله فلم تعد تخاف سواه.
كانت سعيدة المهلبية زوج عبدالله بن الربيع، وكان زوجها عبدالله خال المهدي الملك العباسي ووزيراً عند أبي جعفر المنصور، وقد كان زوجها من المتعصبين والمتحمسين للدولة العباسية، لقد اقتنعت سعيدة بمبادئ وآراء أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وأصحابه فاعتنقت مذهبه بعدها اتجهت إلى تحصيل العلم، وأخذت تنهل منه من خلال مجالس العلم التي يقيمها المشايخ سراً، اتصفت سعيدة بدينها وصلاحها وأصبحت من أتباع أبي عبيدة، تألقت سعيدة حتى أصبحت داعية إلى مذهب أهل الدعوة، وأخذت تنشر مبادئهم على نساء أهل بيتها وعلى زميلاتها والجواري اللاتي يعشن في منزل زوجها الوزير، وتشير المصادر إلى أنه كان لزوج سعيدة ابن من غير سعيدة، وكان لهذا الابن جاريتان قد تسرى بهما، ولقد اقتنعت هاتان الجاريتان بأفكار ومبادئ أهل الدعوة فدخلتا في الإباضية، ومن أهل بيت سعيدة ما يذكر أن جدة سعيدة أو عمتها ذهبت مع أبي عبيدة ـ إمام الإباضية في تلك الآونة ـ إلى الحج فلما فرغا من حجهما قالت له:(أريد المقام بمكة) قال لها:(الخروج أفضل)، لما رأى من بعد مكة عن أهلها الذين كانوا بالبصرة، وكان كثير من أنصار أبي عبيدة والشخصيات البارزة المنضمة إلى مذهب أهل الدعوة يبحث عنهم الحجاج والولاة الأمويون والعباسيون الظلمة ليقبضوا عليهم فيسجنوهم أو يقتلوهم، وبالنسبة للنساء كن يتعرضن للتعرية والتمثيل والقتل، وبالرغم من كل ذلك لم تتوقف سعيدة عن الدعوة بل رأت أن الدعوة لا تقتصر على أهل بيتها وبنات جنسها فقط بل تتعداه إلى مشاركة الرجل في الدعوة إلى كل فرد من أفراد الأمة.
فآزرت أبا عبيدة وصحبه، واتخذت سعيدة للإباضية سرداباً لهم في دارها يجتمعون فيه لتلقي الدروس، وللاستماع للخطب الوعظية والدينية التي كان يلقيها المشايخ والعلماء بصوت منخفض حتى لا يسمعهم الجيران أو المارة فينكشف أمرهم.
وكان أحد أولاد ابن الربيع كما ذكرناه سابقاً من غير سعيدة قد دعاه أصحاب أبي عبيدة وأثرت عليه جاريتاه الإباضيتان؛ فدخل المذهب ودخل مجالس الدعوة، وعرف المشايخ ووجوههم ومنازلهم وأسماءهم، فأراد هذا الرجل أن يعتق الجاريتين ليتزوجهما، ولكن الجاريتين رفضتا الزواج به بعد أن أعتقهن، فاشتد به غضبه واستولى عليه هواه، فكتب إلى أبي جعفر المنصور بأسماء المشائخ الإباضية ومجالسهم، وكتب بأن سعيدة يجتمع عندها الإباضية في سرداب لها في دارها، فلما علم أبو جعفر بذلك، أخبر وزيره عبدالله بن الربيع ـ زوج سعيدة ـ بذلك، فقال له عبدالله:(إن ابني قد ذهب عقله وأصبح يهذي بما لا يعرف أو صار إلى ما ترى)، وقال لأبي جعفر:(أو مثل سعيدة يقال فيها هذا؟؟)، ونصحه أبو جعفر أن يعالجه ببعض الأدوية ويحبسه فاستجاب عبد الله لذلك، ولم يسع عبدالله لما علم بما يقع في داره إلا هذه الحيلة، وتَبَالَهَ المنصور الداهية وتظاهر بتصديق دعواه. إن زوج سعيدة من آل البيت وأنصاره الكبار فلا يجوز الانتقام من زوجته، ولو علم الناس أن سعيدة زوجة الوزير إباضية، وأن الإباضية يجتمعون في دار زوجها الوزير لأدى إلى فضيحة ودلّ على ضعف الدولة العباسية، وعلى قوة الإباضية وانتشار نفوذهم فيميل إليهم الناس، ولو كان ما نسب لغير عبدالله ما نسب لكانت شرطة أبي جعفر وسيوفه أسرع إلى عنقه وعنق زوجته، فهذه المرأة المجاهدة لم يمنعها ما قد تتعرض إليه المرأة من أصحاب أهل الدعوة في ذلك الوقت من التمثيل والتعرية والقتل، ولم تمنعها وزارة زوجها أن تؤدي دورها الواجب عليها، ولم يقف حجابها وحياؤها حاجزاً عن المشاركة مع الرجل في الدعوة فكان سردابها ببيتها ملاذاً ومخبأً لعلماء ومشايخ أهل الدعوة.

اعداد ـ أم سارة المحاربية

إلى الأعلى