الأربعاء 14 نوفمبر 2018 م - ٦ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شذرات من هدى القرآن

شذرات من هدى القرآن

الـصـوم وأثـره في النفـس (29)

الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلين وخاتم النـبيين وإمـام الـمتـقـين وحجـة الله رب العـالـمين وعـلى آلـه وأصـاحـبه أجـمعـين ، وعـلى الـتابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـلا زال الحـديث مـوصـولا عـن الـصيام وأثـره في الـنفـس، وكـقـوله تعالى:(عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ( )الـمـزمـل ـ 20)، يـعـني: خـفـف عـنكـم، وقـال تعالى:(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ) (الـنساء ـ 92)، ثـم جـاء عـقـب الـقـتـل الخـطأ قـوله تعالى:(فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّـهِ وَكَانَ اللَّـهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (الـنساء ـ 92)، يعـني تخفـيـفـاً لأن الـقـتـل وقـع خـطـأ عـن غــير قـصـد، ولـذلك فهـو لم يفـعـل شـيئاً تـلـزمه التـوبـة منه، وقال تعالى:(لَّقَد تَّابَ اللَّـهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ) (التـوبة ـ 117)، وإن لـم يـكـن مـن الـنبـي (صلى الله عـلـيه وســلـم) ما يـوجـب الـتـوبة مـنه، وقـوله تعالى:(وَعَفَا عَنكُمْ) يحـتـمـل الـعـفـو مـن الـذنـب، ويحـتـمل الـتـوسـعـة والـتسهـيـل عـلـيهـم، لأن الله ما جعـل عـلـينا في الـديـن مـن حـرج، وكـقـول الـنبي (صلى الله عـلـيه وســلم):(أول الـوقـت رضـوان الله، وآخـره عـفـو الله)، يعـني: تـسـهـيـله وتـوسـعـته، فـمـعــنى:(عَلِمَ اللَّـهُ) أي: عـلـم وقــوع ذلـك مـنـكـم مـشـاهــدة، لأن الله لا يخـفـى عـلـيه أمـركـم:(فَتَابَ عَلَيْكُمْ) بـعـد مـا وقــع مـنـكـم، نتيجـة ضعـفـكـم وعــدم صـبركـم، أي: خـفـف الله عـنـكـم:(فـعـفـا) أي: سـهـل أمـركـم، وقـوله تعالى:(تَخْتَانُونَ) مـن الخـيانـة، كـما تـقـدم، قال ابن الـعـربي، وقال عـلـماء الـزهــد: وكـذا فـلـتـكـن الـعـنايـة وشـرف الـمـنـزلة ، خـان نـفـسه عـمـر بن الخـطاب ـ رضي الله عـنـه ـ فجـعـلـها الله تعالى شـريـعـة محـكـمة ومتـبـعـة، وخـفـف مـن أجـله عـن الأمـة، فـكان تصـرف عـمـر بن الخـطـاب وعـملـه سـبـباً في ذلـك الـتخـفـيف فـرضي الله عـمـر وأرضـاه.
وقـولـه تعالى:(فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ) كـنـايـة عـن الـجـماع، أي قـد أحـل الله لـكـم مـا كان محـرمـا عـلـيـكم قـبـل ذلـك، وسـمى الـوقـاع مـباشـرة لـتـلاصـق بشـرة الـرجـل بـبشـرة الـمـرأة، وقال ابن الـعـربي: وهـذا يـدل عـلى أن سـبب نـزول الآيـة جـمـاع عـمـر بن الـخـطاب ـ رضي الله عـنه ـ لامـرأتـه، لا جـوع قـيـس صـرمـة الأنـصـاري، لأنـه لـو كان الـسـبب جـوع قـيـس لـقال الله تعالى: فالآن كلـوا واشـربـوا ابـتـداء بـه، لأنـه الـمهـم الـذي نـزلـت الآيـة مـن أجـلـه.
وقـوله تعالى:(وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّـهُ لَكُمْ) قال ابن عـبـاس ومجـاهـد والحـكـم ابن عـييـنة، وعـكـرمة والحـسن والـسـدي والـربـيـع والـضحـاك: مـعـناه وابـتـغـوا مـا كـتب الله لـكـم أي أطـلـبـوا الـولـد والـذرية الـطيـبة ، ويـدل عـلـيه أنـه جـاء عـقـيب قـوله تعالى:(فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ)، وقال ابن عـباس: ما كـتـب الله لـنـا هـو الـقـرآن.
وقال الـزجـاج: أي ابـتـغـوا الـقـرآن بـمـا أبـيـح لـكـم فـيه وأمـرتـم به، وروي عـن ابن عـباس ومعـاذ بن جـبـل، أن الـمعـنى وابـتغـوا: لـيـلة الـقــدر لـما فـيها مـن الفـضل الـعـظـيـم، وقـيـل اطـلـبـوا الـرخـصة والـتـوسـعـة قاله قـتادة، قال تعـالى:(يُرِيدُ اللَّـهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا) (الـنساء ـ 28)، وقـوله تعالى:(وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ)، هــذا جـواب نـازلة قـيس بن صـرمة الأنصاري والأول جـواب عـمـر بن الخـطاب، وقـد ابـتـدأ بـنازلـة عـمـر لأنـه الـمهـم فهـو الـمقـدم.
وقـوله تعالى:(وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) (الـبـقـرة ـ 187)، (حتى) هي غـايـة للـتـبـيين ، ولا يـصح أن يقـع الـتبيين لأحــد ويحـرم عـلـيه الأكـل، إلا وقـد مضى لـطـلـوع الفـجـر قـدر واختلـف في الحـد الـذي بـينـه والـذي يـوجـب الإمـساك، فـقال الجمهـور: ذلك الـفـجـر الـمعـترض في الافــق يـمـنة ويسـرة، وبـهـذا جـاءت الأخـبار ومضـت عـليه الأمـصار.
روى مـسـلم عـن سـمـرة بن جـنـدب ـ رضي الله عـنه ـ قال: قال رسـول الله (صلى الله عـلـيه وســلم):(لا يـغـرنكـم مـن سـحـوركـم أذان بـلال، ولا بـياض الأفــق الـمستطيـل هــكـذا حتى يـسـتطـير هـكـذا)، وحـكاه حـماد بـيـديـه قال: يـعـني مـعـترضاً، وفي حـديـث ابن مسـعـود:(إن الـفـجـر لـيـس الـذي يـقـول هـكـذا، وجـمـع أصابـعـه ثـم نـكسـها إلى الأرض، ولـكـن الـذي يـقـول هــكــذا، ووضـع الـمسـبحة عـلى الـمسبحة ومـد يــديـه) ـ أخـرجـه مـسلـم في الـصـيام.
إذن: فـقـوله تعالى:(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي)، تعـني ضـرورة الاسـتجابة للـمنهـج.
.. وللحـديث بـقـية.

ناصر الزيدي

إلى الأعلى