الأربعاء 15 أغسطس 2018 م - ٤ ذي الحجة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : المونديال !

باختصار : المونديال !

زهير ماجد

ينتهي شهر رمضان في اليوم الذي يبدأ فيه المونديال .. شهر من الاهتمام والنقاش والمراهنة .. ومع أن العالم يتوحد خلال هذه الفترة، إلا أنه يختلف أيضا حين ينتصر فريق على فريق، فمن هندس تلك اللعبة الشعبية أرادها أن تكون حربا، قوى تهاجم وأخرى تدافع، وتنحصر المسألة كلها في الأهداف أي الفوز والخسارة.
العرب لهم حصتهم هذا العام، مع أنهم مشغولون بمشاكلهم وأزماتهم، كل فريق من فرقهم لديه إحساسه الخاص بالنتائج التي قد يحصدها، إذ أنه رغم المهارات في اللعب، إلا أن الهدف يمر أحيانا خارج الحسابات المعروفة في الكرة.
كادت هذه اللعبة أن تطيح بعلاقات عربية وصلت إلى ذروة التحدي بين مصر والجزائر ، وما زلت أذكر إلى اليوم، كيف أن الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 كان بلا هوادة في تخريبه وقتله، بينما تظاهرات الجزائر يومها من أجل حسابات كروية اعتبرها الجزائريون تعديا عليهم.
تلك اللعبة المسيطرة على عقول العالم وعلى أنفاسهم، محركها الأساسي الانتماء الوطني .. هي تعززه إلى حد الشوفينية( التعصب)، ثمة من يقول أن من وضع قوانينها راعى فيها أن لاتصل إلى مرحلة الصدام بين الدول ، مع أنها رغم ذلك قد تصل، وقد تتطور إلى ماهو أبعد.
يقال عن فلسفة كرة القدم، أنها أفضل مايتلاءم مع تطلعات الدول إلى أخذ الشعب باتجاه اهتمام من هذا النوع ، ويقال أن هنالك نصوصا صهيوية بضرورة تعزيز الكرة كي يسيطر الفراغ العقلي على العالم إضافة إلى روح التعصب، إذ مجرد الانشغال بها يؤدي إلى نقل العقل إلى منطقة لاتفكير فيها على الإطلاق، إضافة إلى عملية التحريض، لكنها مجبولة بتوتر الأعصاب والحدة في التعبير بأن يصل المتفرج إلى مرحلة ممارسة العنف في أقصاه.
هنالك شهر إذن من الصراخ والهتاف ، وكله مجبول بالبكاء أو نشوة النصر، التحسر على الخسارة. من وضع قوانين اللعبة أصر على أن يكون هنالك رابح وخاسر .. في هكذا مباريات عالمية من التصفيات لابد من مهزوم يخرج من المونديال، فيما يبقى الرابحون إلى اللحظة الخارقة، حيث المباريات الأخيرة التي تصل بالرابح إلى حيازته بطولة العالم.
كلمة سحرية أن تحمل هذا اللقب، فمن أجله تصرف المليارات على التدريب والتجهيز والملاعب ذات الهندسة الرائعة بكل جمالياتها الداخلية والخارجية، كما شاهدت بعضها الروسية في التلفزة، وكما يقال أن قطر التي تستعد لاستضافة الدورة القادمة عام 1922 تبني ملاعب جديدة في هندستها، يضاف عليها لأول مرة أن تكون مبردة.
في لبنان مثلا هنالك قمة جنون في إظهار الانتماء للدول المشاركة في المونديال، إذ من يدخل لبنان اليوم وخصوصا بيروت، سيظن أنه أمام مباني الأمم المتحدة بالنظر لإعلام الدول المرفرفة من على الشرفات. ورغم أن محافظ مدينة بيروت منع هذه الظاهرة في البداية ، إلا أنه تحت ضغط شعبي عاد وسحب منعه من التداول.
القصة كلها باختصار شهر من الجنون الذكي والاهتمام الشديد الذي يصل بالبعض إلى القول صباح المونديال بدل كلمة صباح الخير، بالنظر إلى سيطرة المناسبة على عقول الناشئة، بل على الأجيال كافة.
لابد أنها مناسبة يخرج فيها العالم من حسابات السياسة والعنف الدائر، علما أن صورة الواقع العالمي وتحديدا منطقتنا العربية لن تتغير طالما أنها من سيئ إلى أسوأ وضمن حسابات ثابتة من قانون الصراع المهيمن.

إلى الأعلى