الأربعاء 15 أغسطس 2018 م - ٤ ذي الحجة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / هل نثق بأميركا الآن؟

هل نثق بأميركا الآن؟

أحمد مصطفى

” حتى بعد القمة مع كوريا في سنغافورة، لا يزال هناك من يتشكك في إمكانية قبول العالم بأن أميركا محل ثقة وأنها يمكن بعد الآن وما يفعله ترامب أن تلتزم بتعهداتها. لذلك نقارن بين موقف كيم يونغ أون والراحل القذافي، فالزعيم الكوري الشمالي يريد حل مشاكل بلاده مع الغرب – وكذلك كان القذافي – فيقبل بمن يوفر له فرصة الصفقة بغض النظر عما إذا كان يشكل خطرا أم لا.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أخيرا، انعقدت القمة الأميركية الكورية الشمالية بين الرئيسين دونالد ترامب وكيم يونغ أون وعملت ماكينة الإعلام على تسويق هذا الإنجاز الهائل الذي ربما يأتي بجائزة نوبل للسلام لكلا الزعيمين – ولا غرو، فقد فاز الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما بتلك الجائزة دون أن يفعل شيئا. وبعد اللقاء تناول الرئيسان الطعام (بالبلدي : أكلوا عيش وملح) وصرح ترامب بأن نزع السلاح النووي الكوري الشمالي سيبدأ سريعا. لست أدري لماذا ذكرتني تلك القمة في سنغافورة بما حدث مع ليبيا نهاية عام 2003 حين أعلن الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي تخلص بلاده من “أسلحة الدمار الشامل” بما في ذلك البرنامج النووي الليبي. كان ذلك العام الذي تعرضت فيه العراق للغزو والاحتلال الأميركي/البريطاني بدعوى امتلاكه أسلحة دمار شامل اتضح فيما بعد أنها غير موجودة وأن ذلك كان ادعاء كاذبا تماما. وما زال رئيس الوزراء البريطاني وقتها توني بلير ملاحقا بكذبه على البرلمان والشعب بتقريره حول قدرة العراق على تصنيع سلاح نووي في نصف ساعة. والمفارقة أن بلير لعب دورا أيضا في موضوع ليبيا، وما زالت الشكوك حول استفادته ماليا من القذافي في صفقة تخلي ليبيا عن “السلاح النووي” تلاحقه حتى الآن.
لم يقتنع كثيرون بأن ليبيا كان لديها برنامجا حقيقيا لتصنيع قنبلة نووية، لكن ما حدث مع العراق لا شك لعب دورا في إقناع القذافي بحل مشاكله مع الغرب (وهو الدور الذي لعبه توني بلير وربما تقاضى عليه الملايين). وهكذا يفعل كيم بحل مشاكل كوريا الشمالية مع الغرب، طالما أنه وجد في البيت الأبيض رئيسا مهووسا بالمال والصفقات، هذا رغم أن كوريا الشمالية ليست مثل ليبيا وهي تختبر بالفعل رؤوسا نووية وصواريخ طويلة المدى. مع ذلك، لا يعرف عن كوريا الشمالية سوى قدراتها الصاروخية المتطورة، أما قدراتها النووية فرغم تجاربها واختباراتها لا يمكن الجزم بأنها بذلك التطور الذي يصوره التضخيم الإعلامي الأميركي والغربي. ولعلنا نتذكر التضخيم الإعلامي الغربي لقدرات العراق، وحكاية “ماسورة” المدفع العملاق التي اتضح فيما بعد أنها ماسورة مجاري. ورغم عدم توفر معلومات وافية، إلا أن المرء يمكن بسهولة استخلاص أن البرنامج النووي الإيراني ربما كان أكثر جدية من برنامج كوريا الشمالية – رغم أن إيران لمن تنتج أو تختبر سلاحا نوويا، لكن قدرتها على ذلك تسندها الخبرة المتراكمة في تطوير التخصيب. وربما على العكس، تظل القدرات الصاروخية لكوريا الشمالية أكبر وأكثر تطورا من نظيرتها الإيرانية.
تلك المقارنة مع إيران مقصودة، إذ يتوقع كثيرون أن الاتفاق الأميركي مع كوريا الشمالية سيكون له تأثير على الجمود الحالي بشأن اتفاق طهران النووي مع الغرب بعد انسحاب ترامب منه وإصرار الأوروبيين عليه. ويتوقع عدد من المراقبين والمحللين أن “الصفقة” الأميركية الكورية الشمالية ستغري إيران بالبدء في التفاوض على صفقة جديدة مع واشنطن والقبول بتعديل الاتفاق النووي مقابل رفع العقوبات عنها وإصلاح علاقتها بالعالم. لكن التوقعات المتفائلة تلك تقابلها حجة أخرى تبدو منطقية تعني أن إيران سيصعب عليها أن تثق بإدارة ترامب للتفاوض حول اتفاق جديد، خاصة وأن الاتفاق الذي حصلت عليه في ظل رئاسة أوباما كان جيدا جدا لطهران. تلك الحجة، التي يسوقها حتى كتاب ومحللون أميركيون وأوروبيون، تستند إلى أن ما قام به ترامب حتى الآن من الانسحاب من كل الاتفاقات والمعاهدات التي وقعها سلفه (من اتفاق المناخ الى اتفاقات التجارة ثم اتفاق نووي إيران) تجعل العالم يتردد في الاتفاق مع واشنطن على أي شيء لأن الاحتمال الوارد أن تنقضه أو تنسحب منه بعد ذلك – بالعامية (البلد ما عاد لها كلمة).
حتى بعد القمة مع كوريا في سنغافورة، لا يزال هناك من يتشكك في إمكانية قبول العالم بأن أميركا محل ثقة وأنها يمكن بعد الآن وما يفعله ترامب أن تلتزم بتعهداتها. لذلك نقارن بين موقف كيم يونغ أون والراحل القذافي، فالزعيم الكوري الشمالي يريد حل مشاكل بلاده مع الغرب – وكذلك كان القذافي – فيقبل بمن يوفر له فرصة الصفقة بغض النظر عما إذا كان يشكل خطرا أم لا. وللأسف لم يوفر موقف القذافي حماية لليبيا، ولا أجدت علاقته بتوني بلير أو غيره نفعا وفي الأخير تم تدمير ليبيا واغتيال القذافي بطريقة بشعة وما زال البلد يشكل خطرا على نفسه وجيرانه حتى الآن. ربما لا يكون الوضع مشابها مع كوريا الشمالية، التي تهتم بها بكين وتتشارك الجغرافيا مع الصين وروسيا، لهذا يستبعد أصحاب الحجة المذكورة تأثيرا إيجابيا كبيرا لصفقة نووي كوريا أو أن تؤدي إلى اتفاق نووي جديد مع إيران. أما طهران، التي يصعب توقع رد فعلها الآن على الاتفاق الكوري، فقد تمكنت لأكثر من عقدين من تحمل العقوبات الأميركية والغربية والحظر المفروض عليها بسبب نشاطاتها النووية وغيرها. ومن غير الواضح أيضا الآن إذا كانت ستتحمل عامين أو ستة أعوام حتى يسكن البيت الأبيض شخص غير ترامب.
الخلاصة، أنه رغم مهرجان قمة ترامب-كيم يبقى السؤال مبررا وقائما، هل نثق بأميركا الآن؟ الإجابة متروكة لكم.

إلى الأعلى