الأربعاء 19 سبتمبر 2018 م - ٩ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / قضايا / أشاعت ارتياحا على آخر حدود الحرب الباردة

أشاعت ارتياحا على آخر حدود الحرب الباردة

كيم وترامب.. تهديدات الحرب تتحول إلى قمة تاريخية
*تفاؤل في الكوريتين وتوقعات بأن إعادة التوحيد بات قريبا
* القمة جاءت بعد ما اتخذ الخطاب التصعيدي بين الزعيمين منحى شخصيا حادا
* تعهدات كورية بنزع كامل للسلاح النووي ووعود أميركية بـ(ضمانات أمنية)

باريس ـ ا.ف.ب:
اتخذت العلاقات المتقلبة بين دونالد ترامب وكيم جونج اون في الأشهر الأخيرة منحى غير مسبوق ترجم في سنغافورة بقمة تاريخية بين الرئيس الأميركي والزعيم الكوري الشمالي، فيما بدأ الكوريون الشماليون والجنوبيون يحلمون بعهد جديد بعد عقد القمة التاريخية.

تهديدات نووية
في الثاني من يناير 2017، وحتى قبل أن يتولى منصبه، أكد الرئيس الأميركي الجديد أن كوريا الشمالية لن تكون قادرة أبدا على تطوير “سلاح نووي يستطيع بلوغ الأراضي الأميركية”. في البداية، بدت الغلبة للخيار الدبلوماسي. ففي مايو 2017 أبدى ترامب استعداده للقاء الزعيم الكوري الشمالي وقال “اذا توافرت الظروف لالتقي (كيم جونج اون) فسأقوم بذلك بالتأكيد. سيشرفني القيام بذلك”. ولكن خلال الصيف، اطلقت بيونج يانج صاروخين عابرين للقارات وأكد كيم أن “كل الأراضي الأميركية باتت في متناولنا”. وأعقب ذلك أزمة بين البلدين أدت إلى عقوبات مالية أميركية مع تعهد ترامب أن يرد “بالنار والغضب” على أي هجوم كوري شمالي.

إهانات شخصية
سرعان ما اتخذ الخطاب التصعيدي بين الزعيمين منحى شخصيا حادا.
فأمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر، وصف ترامب كيم بأنه “رجل الصاروخ الصغير”. وبعد يومين، رد عليه الأخير “سأؤدب بالنار الأميركي المختل عقليا”. وفي نوفمبر، استخدم ترامب عبارة “الجرو المريض” لوصف خصمه قبل أن يتباهى، بداية 2018، بحجم زره النووي قائلا “أبلغوه أنني املك أيضا زرا نوويا، لكنه أكبر وأقوى بكثير من زره، وهو يعمل”. واتهم ترامب بيونج يانج بأنها “عذبت” الطالب الأميركي اوتو وورمبير “في شكل يفوق التصور”.والطالب المذكور المسجون في كوريا الشمالية منذ يناير 2016 سلم للأميركيين وهو في غيبوبة في يونيو 2017 وقضى بعدها بأسبوع.وقررت واشنطن عندها منع مواطنيها من التوجه إلى كوريا الشمالية وإعادة إدراج هذا البلد على قائمة الدول التي تدعم الإرهاب.

منعطف أولمبي
في الأول من يناير 2018، ابدى كيم جونج اون استعداده لايفاد بعثة للألعاب الأولمبية الشتوية في كوريا الشمالية. وفي فبراير، خلال ألعاب بيونج تشانج، سجل تقارب بين الكوريتين تمثل في سيرهما معا خلال حفل الافتتاح اضافة إلى لقاء دبلوماسي بين موفدين. وفي الثامن من مارس، احدث الرئيس الأميركي مفاجأة كبرى بقبوله دعوة للقاء كيم جونج اون سلمتها كوريا الجنوبية، مؤكدا أن الفضل يعود اليه في الانفراج الأولمبي بين الكوريتين.

زيارة مفاجئة لبومبيو
بوصفه مديرا لوكالة الاستخبارات المركزية (سي آي ايه) وقبل ان يتولى حقيبة الخارجية الأميركية، توجه مايك بومبيو إلى بيونج يانج خلال نهاية أسبوع عيد الفصح للقاء كيم. وفي الثامن من مايو، كشف ترامب ان وزير خارجيته الجديد في طريقه مجددا الى كوريا الشمالية حيث عقد اجتماعا آخر مع الزعيم الكوري الشمالي قبل أن يعود إلى الولايات المتحدة برفقة ثلاثة سجناء أميركيين كانت واشنطن تطالب بالإفراج عنهم.

قمة أم لقاء
بعدما كانت مقررة في 12 يونيو، عمد ترامب إلى إلغاء قمة سنغافورة في رسالة إلى كيم في 24 مايو كتب فيها “أرى أنه من غير الملائم حاليا إبقاء هذا اللقاء المقرر منذ وقت طويل”. لكن مفاجأة جديدة حصلت مع تأكيد ترامب في 27 مايو ان فريقا أميركيا موجود في كوريا الشمالية بهدف التحضير لاجتماعه مع كيم. في 12 يونيو، شاهد العالم اجمع مباشرة على الهواء المصافحة بين الرجلين. واشاد الزعيم الكوري الشمالي بما اعتبره “قمة تاريخية” فيما تحدث ترامب عن “لقاء رائع” اتاح إحراز “تقدم كبير”.
ووقع الزعيمان وثيقة مشتركة اكدت فيها بيونج يانج تعهدها “بنزع كامل للسلاح النووي في شبه الجزيرة الكورية” فيما وعدت واشنطن بـ”ضمانات أمنية” لكوريا الشمالية.
قمة لا ترقى لمستوى زيارة نيكسون للصين
ربما تم ترتيب الاجتماع التاريخي الذي عقده دونالد ترامب مع زعيم كوريا الشمالية لكي يبدو وكأنه أشبه برحلة الرئيس السابق نيكسون إلى الصين غير أن القمة فشلت في انتزاع أي تعهدات ملموسة من جانب بيونج يانج لتدمير ترسانتها النووية. ورغم أن ترامب سارع إلى إعلان نجاح القمة غير المسبوقة التي تبادل فيها مع كيم جونج أون المصافحة والابتسامات فقد قال خبراء إن البيان المشترك الذي وقعه الزعيمان في سنغافورة بدا مجرد تكرار باهت لوعود قديمة قطعتها بيونج يانج لإدارات أميركية متعاقبة وخالفتها. ويشير ذلك إلى أن أي فائدة باقية لترامب على المسرح العالمي أو في الداخل ستتوقف على ما إذا كان بوسعه في المراحل المقبلة من المفاوضات أن يغير دفة برنامج القمة الذي بدا وكأنه سيناريو تلفزيوني إلى تقدم ملموس صوب نزع الفتيل النووي لدي بيونج يانج.
ومن المرجح أن أنصار ترامب المعجبين بأسلوبه الدبلوماسي غير التقليدي سيشيدون بالقمة باعتبارها نصرا للرئيس على واحد من ألد أعداء الولايات المتحدة في وقت يشهد خلافات بينه وبين أقرب حلفاء واشنطن بعد مغادرة قمة اقتصادية في كندا في مطلع الأسبوع. وعلى الجبهة الداخلية من المرجح أن يبرز ترامب تواصله على المستوى الدبلوماسي مع كوريا الشمالية كدليل على أنه يعمل لحماية الولايات المتحدة في إطار خطته “أميركا أولا” وذلك رغم أن القمة لم تتوصل فيما يبدو إلى أي ضمانات محددة للحد من الصواريخ النووية طويلة المدى لدى بيونج يانج.
غير أن الجمهوريين قد يحاولون استخدام القمة لتعزيز مساعيهم لاقناع الناخبين بالسماح لهم بالاحتفاظ بالسيطرة على الكونجرس في الانتخابات المهمة التي تجري في نوفمبر. وظل خبراء كثيرون على تشككهم في أن كيم سيتخلى عن أسلحته النووية وذلك رغم أن ترامب أصر على أن عملية نزع السلاح النووي ستبدأ “بسرعة كبيرة جدا”. وربما ينسب لترامب الفضل في خلق جو إيجابي حول المحادثات التي جرت في سنغافورة بعد تبادل الإهانات والتهديدات مع كيم الأمر الذي أثار المخاوف من الحرب. إلا أنه بانتهاء القمة بتوقيع بيان نوايا دون الإعلان عن جدول زمني تبقى الأسئلة المثارة عما إذا كان الاجتماع قد أسفر عن نتائج كافية لتعزيز صورته دوليا وداخليا في الأجل الأطول.

لا شيء ملموس
اعتبر كثيرون تعهد ترامب وكيم بالعمل من أجل “نزع السلاح النووي بالكامل من شبه الجزيرة الكورية” فشلا في إقناع كوريا الشمالية بقبول وجهة نظر واشنطن التي تطالب بيونج يانج بالتخلص من ترسانتها. وتدعو كوريا الشمالية إلى إزالة “المظلة النووية” الأميركية التي تحمي كوريا الجنوبية واليابان. وقال إيفانز ريفير المفاوض الأميركي السابق مع كوريا الشمالية “لا يوجد شيء ملموس تقريبا أو حتى جديد في هذه الوثيقة. هي قائمة أهداف طموح. وهذا نصر لكوريا الشمالية التي يبدو أنها لم تتنازل عن شيء”. ويأتي ذلك في وقت مازال حلفاء أميركا التقليديون يترنحون فيه من جراء الانقسامات التي شهدتها قمة مجموعة السبع في مطلع الأسبوع. ومن الخلافات الأخرى انسحاب ترامب من الاتفاق النووي الايراني والذي أدى إلى انتقادات دولية وخلافات إدارته مع الصين على الرسوم الجمركية وتعثر مساعي تعديل اتفاق التجارة الحرة لأميركا الشمالية مع المكسيك وكندا. كما يلقي تحقيق اتحادي في ما تردد عن تدخل روسيا في انتخابات عام 2016 بظلاله على رئاسته. ورغم كل ذلك لا يزال تأييد القاعدة السياسية اليمينية قويا لترامب ومن المرجح أن يهلل أنصاره لنتيجة القمة باعتبارها إنجازا لم يستطع من سبقه من الرؤساء تحقيقه.وسخر ترامب نفسه من المتشككين في وقت سابق إذ قال في تغريدة على تويتر “يقول الكارهون والخاسرون إن مجرد مشاركتي في اجتماع خسارة كبيرة للولايات المتحدة”.غير أن الرؤساء الثلاثة السابقين حصلوا على تعهدات من كوريا الشمالية بنزع السلاح النووي تراجعت عنها كوريا الشمالية فيما بعد. ورغم أن ترامب أصر في مؤتمر صحفي عقده بعد القمة على أنه يعتقد أن كيم “يريد حقا نزع السلاح النووي” فلم يكن بمقدوره أن يذكر سوى تعهد واحد من كيم لم يرد ذكره في البيان وهو إغلاق منشأة لمحركات الصواريخ.
إلا أن ترامب قال إنه مستعد لوقف المناورات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية وهو مطلب رئيسي من مطالب بيونج يانج. وقال مينتارو أوبا الدبلوماسي السابق في وزارة الخارجية المتخصص في شؤون الكوريتين إن أهمية القمة في الأسلوب الذي عقدت به وفي رمزيتها.وأضاف “كان منظرها جميلا أمام الكاميرا” والمسار الإيجابي للعلاقات يمثل تخفيفا للضغوط على المنطقة. غير أن المحللين قالوا إن القمة لا تشبه من قريب أو بعيد ما حققه الرئيس ريتشارد نيكسون بزيارته للصين الشيوعية عام 1972 والتي أنهت قطيعة استمرت عشرات السنين بين واشنطن وبكين. وأصر ترامب في مؤتمره الصحفي أن القمة بداية عملية وأن العقوبات ستظل سارية حتى يأخذ كيم خطوات ملموسة في نزع السلاح النووي.
غير أن المحللين قالوا إنه بتخفيف حدة التوترات فليس من المرجح أن تستمر الصين وكوريا الجنوبية في الفرض الكامل للتدابير المشددة اللازمة للتأكد من التزام كوريا الشمالية بوعودها الأخيرة. وأعرب جوزيف يون المفاوض السابق مع كوريا الشمالية بوزارة الخارجية الأميركية عن قلقه من “المنحدر الزلق” حيث ستقول بيونج يانج قريبا “أنت صديقي … فلم لا تخفف العقوبات؟”

مكبرات الصوت تتوقف
يخيم الصمت على آخر الحدود الموروثة من الحرب الباردة حيث تتواجه قوات الكوريتين منذ زمن طويل، وقد توقفت مكبرات الصوت عن بث الدعاية من الطرفين، فيما بدأ الجنود الكوريون الشماليون يحلمون بعهد جديد بعد عقد القمة التاريخية بين دونالد ترامب وكيم جونغ أون. وأضحت العنابر الزرقاء المصطفة في بلدة بانمونجوم في المنطقة المنزوعة السلاح التي تقسم شبه الجزيرة الكورية، رمزا للهدنة التي وضعت حدا للحرب الكورية (1950-1953). ودرج القادة الأميركيون على زيارة هذه المنطقة الفاصلة، حرصا منهم على إثبات تصميمهم في وجه الشمال.غير أن الجنود الكوريين الشماليين المنتشرين فيها يعربون عن تأييدهم للقمة غير المسبوقة المنعقدة بين زعيمهم والرئيس الأميركي في سنغافورة.
يقول اللفتنانت كولونيل هوانج ميونج جين “كانت تراودنا في الماضي مشاعر سلبية حيال القوات في الجانب الآخر”. ويتابع “لكن بإمكاننا أن نصبح أصدقاء مع الذين يعاملوننا بحسن نية ويريدون تحسين العلاقات، وأن نسلك الطريق ذاته اليد باليد على الرغم من تاريخنا”.وينظر العسكري بـ”إيجابية” إلى القمة التي شهدت مصافحة تاريخية بين ترامب وكيم، وتوقيع وثيقة تنص على ضمانات أمنية أميركية للشمال والتزاما من كيم بـ”نزع كامل للأسلحة النووية في شبه الجزيرة الكورية”.
شجرة صنوبر
ويقول “في الماضي، كانت جمهوريتنا مطوقة من القوى الكبرى. لكننا نظهر للعالم بأسره كرامتنا كأمة مستقلة”. ويشير باعتزاز إلى شجرة الصنوبر التي زرعها زعيمه والرئيس الكوري الجنوبي مون جاي إن في بادرة رمزية خلال قمتهما الأولى في نهاية أبريل، حين ألقيا على جذورها حفنات من التربة استقدمت من جبل بيكتو المقدس بالنسبة للكوريين الشماليين ومن جبل هالا في جزيرة جيجو الكورية الجنوبية. ويذكر “شعرت في بادىء الأمر بكثير من التوتر حيال القمة. قائدنا الأعلى سوف يعبر إلى الجنوب، إلى الجانب الخطير من الحدود”. وتابع أنه عندما أمسك كيم الرئيس الكوري الجنوبي بيده ليعبر به الخط الفاصل متقدما معه بضعة أمتار داخل الشمال “خطر لي أن يوم إعادة التوحيد بات قريبا”. ولم يكن من الممكن تصور مثل هذا التفاؤل قبل أشهر قليلة. وتؤكد كوريا الشمالية أنها خرجت منتصرة من النزاع الذي تشير إليه بعبارة “حرب التحرير الكبرى للوطن الأم”.وفي الجانب الشمالي من الخط الفاصل نصبت لوحة ضخمة تحتفي بزيارة قام بها كيم جونج أون عام 2012 إلى المنطقة، مشيدة بالزعيم الذي “أعطانا عبرة ثمينة: هذا الموقع هو مكان تاريخي ركع فيه المحتلون الأميركيون أمام شعبنا للتوقيع على استسلامهم. أجيالنا المقبلة ستعيش في وطن أم موحد”.
قطع الطريق على السلام
ويشدد الشمال باستمرار على أهمية توحيد شبه الجزيرة التي قسمتها الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي عند انتهاء الحرب العالمية الثانية. وكان اجتياح الجنوب عام 1950 محاولة من الشمال لتحقيق الوحدة بالقوة. ومنذ ذلك الحين نهض الجنوب باقتصاده ليرتقي إلى المرتبة 11 بين القوى الاقتصادية في العالم. أما كوريا الشمالية، فتلقت ضربة مع انهيار الاتحاد السوفياتي، ثم تراجع اقتصادها مع مجموعات العقوبات التي فرضها عليها مجلس الأمن الدولي بسبب طموحاتها النووية.وخلال زيارة سابقة للمنطقة المنزوعة السلاح، شرح مرافقو وكالة الصحافة الفرنسية للصحفيين أن “الطبيعية الحقيقية” للولايات المتحدة تقضي بـ”قطع الطريق على السلام”. وقال الضابط “كل ما أفكر فيه بصفتي جنديا هو طرد الولايات المتحدة من الجنوب ما أن أمكنني ذلك وتوحيد أمتنا”. وفي محطة القطارات الرئيسية في بيونج يانج، تعرض لوحة إعلانية كبيرة تبث عادة مشاهد تدريبات عسكرية وإطلاق صواريخ، صور بنى تحتية ومشاريع زراعية. لكن في ردهة فندق “يانجاكدو”، الفندق الرئيسي للسياح، لا تزال المكتبة تعرض في صدارتها بطاقات بريدية دعائية ضد الأميركيين تظهر فيها صواريخ تستهدف أميركا الشمالية.

إلى الأعلى