الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الذين يكتبون السلام بأقلام الرصاص

الذين يكتبون السلام بأقلام الرصاص

محمد بن سعيد الفطيسي

”.. من رواية إلى أخرى, تمتد الأكاذيب والألاعيب كسلسلة طويلة جدا, تبدأ من عمق تاريخهم الدموي الأسود الذي كللته أيادي الإجرام بقتل الرسل والأنبياء والإفساد في الأرض بكل الطرق والوسائل, كما يشير إلى ذلك الخبير بهم والعالم بسرائرهم وإسرارهم في القرآن الكريم, فيقول الحق عز وجل ( كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا, والله لا يحب المفسدين), ”
ـــــــــــ
في كل مرة تشعر فيها إسرائيل بأن العالم قد بدأ يقترب كثيرا من بعض الحقائق المرة والمخيفة، التي تعمل على تحقيقها على أرض فلسطين, وتسعى إلى فرضها بالأمر الواقع وقوة النار والسلاح على الشعب العربي المسلم الأعزل, إلا وتسارع إلى تزييف الحقائق وقلب الصور وتشويه مسارات الخارطة الحقيقية لتاريخ شعب بأكمله, وما أن تتأكد بأن المجتمع الدولي مهتم بقضية دولية أخرى في مكان ما من العالم, إلا وتغافله, بل تستغفله لتبدأ بلعبة جديدة في الظلام الدامس الذي تعودت على العيش فيه, فتحاول من خلالها إكمال قصة العدوان الظالم على الأرض والإنسان, وإكمال كتابة الامتداد الحقيقي لرؤيتها الدموية إلى السلام في الشرق الأوسط بشكل عام, وعلى أرض فلسطين بوجه خاص.
ومن رواية إلى أخرى, تمتد الأكاذيب والألاعيب كسلسلة طويلة جدا, تبدأ من عمق تاريخهم الدموي الأسود الذي كللته أيادي الإجرام بقتل الرسل والأنبياء والإفساد في الأرض بكل الطرق والوسائل, كما يشير إلى ذلك الخبير بهم والعالم بسرائرهم وإسرارهم في القرآن الكريم, فيقول الحق عز وجل ( كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا, والله لا يحب المفسدين), لتمتد إلى حاضر لا يقل سوداوية ودموية ومرارة, ولا أقل إفسادا في الأرض, وانتهاكا لحرمة النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق, ومحاولات فرض سياسة الأمر الواقع على شعب عربي مسلم بنفس الصورة الإجرامية والمأساوية, وانتهاك لكل ما يمكن أن تصل إليه أيديهم الملوثة بدماء الضحايا الأبرياء في هذا الوطن المسلم العربي.
والواقع الراهن في فلسطين دليل واضح على ما أشرنا إليه, من امتداد الانتهاكات التي لا تحدها حدود بمكان أو زمان لكيان غاصب لا يعرف للرحمة طريقا أو منفذا, وخرقا واضحا لكل الشرائع السماوية والقوانين الدولية والأخلاق الإنسانية والفطرية, فبداية من محاولات طمس الوجود التاريخي بشكل غير مسبوق لشعب بأكمله, وكأنه لم يكن موجودا على تراب هذه الأرض في يوم من الأيام, كما أشارت إلى ذلك رئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة غولدا مائير, حيث قالت بأنه:” ليس هناك شعب فلسطيني, ولم يكن الأمر أننا جئنا وأخرجناهم من الديار, واغتصبنا أرضهم, فلا وجود لهم أصلا ” , وعمل على ذلك الأساس الأيديولوجي العديد من القادة والزعامات الإسرائيلية المتوالية, ولازال بعضها على تلك الرؤية التاريخية إلى يومنا هذا, وإن أظهروا لنا عكس ذلك .. إلى محاولات إلغاء حق الشعب الفلسطيني, والعمل على تهجيره وترحيله بالقمع والإرهاب وقوة النار والسلاح.
بل في حقيقة الأمر أن هناك رؤية تاريخية سياسية صهيونية طالما سعى الساسة في هذا الكيان إلى تلميعها وإخفائها عن العالم بأسره, وهي حقيقة تزيد من صعوبة التعايش والجوار, بل تدل على استحالة بقاء الجاني بقرب الضحية, والغاصب مع صاحب الأرض, وذلك على عكس ما يشيرون إليه من رغبتهم في مبادلة الأرض بالسلام, وسعيهم إلى تحقيقه على أرض الواقع في فلسطين, وهذه الحقيقة الغائبة دائما هي قضية سياسية تاريخية قد أثيرت بشكل واضح في العديد من المحافل الصهيونية الدولية المغلقة, وأعادها إلى الأذهان الكثير من كتابهم السياسيين ومؤسسي تاريخهم السياسي الحديث بين الحين والآخر.
فعلى سبيل المثال وفي مقالة منشورة في الصحيفة الإسرائيلية الصهيونية ” يديعوت احرونوت ” بتاريخ 14 / يوليو / 1972 م , أشار احد ابرز كتابهم السياسيين في ذلك الوقت وهو ” يورام بن بورات ” إلى تلك الحقيقة, فيقول بأنه” يجب على المسئولين الإسرائيليين أن يوضحوا للرأي العام, بكل صراحة وقوة, عددا من الحقائق التي تنشأ بمرور الأيام, وفي مقدمتها أنه لا وجود للصهيونية او الاستيطان او الدولة اليهودية دون تهجير العرب ومصادرة أراضيهم”.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد من الانتهاكات السافرة للحقوق التاريخية والسيادية لشعب مسلم بأكمله, بل امتدت أيادي الطغيان والظلم إلى ابعد من ذلك , فوصلت إلى انتهاك أبسط حقوق الإنسان في الحياة, وهو حق الحياة نفسه, والذي ضمنته له كل الشرائع السماوية والقوانين الأرضية, فاعتدت أيادي الطغيان الإسرائيلي على هذا الحق من خلال عشرات المجازر الدموية, والتي امتدت على مدى تاريخ وجودهم الظالم على هذه الأرض الإسلامية العربية.
فبداية من أقدم مجازرهم التي تلت ظهورهم إلى الوجود بقرار ظالم من منظمة الأمم المتحدة بتاريخ 29 نوفمبر 1947م, وذلك بتاريخ 1 /1/ 1948 م بقرية بلد الشيخ وحواسة واللتين تقعان جنوب شرق مدينة حيفا, والتي قتل فيها جميع السكان بدون استثناء, إلى دير ياسين وعيلبون وصبرا وشاتيلا وقانا, ومذبحة المسجد الأقصى التي مثلت أصدق مثال على إجرام ودموية وجبن تلك الزمر الحاقدة وكان ذلك في الثامن من أكتوبر من عام 1990، وذلك على إثر(محاولة متطرفين يهود وضع حجر الأساس للهيكل الثالث المزعوم في ساحة الحرم حيث هب أهالي القدس لمنعهم من ذلك دفاعا عن المسجد الأقصى المبارك).
لتمتد سلسلة الجرائم الإسرائيلية إلى أبعد من الاعتداء على الإنسان وعرضه وشرفه, لتصل إلى أطهر الأماكن وأقدسها على وجه الأرض ـ ونقصد ـ المسجد الأقصى نفسه, وهو أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين, وذلك من خلال أعمال الهدم والدمار التي تقوم بها حكومة الكيان الإسرائيلي بشكل مستمر, وذلك لأهداف سياسية وتاريخية يدركها العالم بأسره والصهاينة على وجه الخصوص, وأولها محاولات تغيير وتهويد المعالم التاريخية والإسلامية لهذا المكان المقدس, رغم إدراك حكومة الكيان الصهيوني الإسرائيلي فظاعة هذه الجريمة من الناحيتين القانونية والأخلاقية.
ومن خلال استقراء تاريخ إسرائيل الحديث والقديم, وبالمرور على أهم المراحل التاريخية السياسية لهذا الكيان الدموي الغاصب في فلسطين, وما يقوم به من اعتداءات وانتهاكات متواصلة ضد الشعب الفلسطيني الأعزل, وبطرق وحشية ودموية غير مسبوقة, وامتداد تلك الاعتداءات على عدد من الدول العربية الأخرى كلبنان وسوريا, وذلك منذ ظهور هذا الكيان الوحشي إلى الوجود، ورجوعا إلى أبرز كتابهم ومؤرخيهم التاريخيين والسياسيين القدامى والمعاصرين, والذين وضعوا حجر الأساس الأيديولوجي والتاريخي لرؤية هذا الكيان إلى الآخر, والى السلام في هذه المنطقة على وجه الخصوص.
فإننا نود أن نشير إلى أهم واخطر الحقائق والاستنتاجات التي لا مفر من طرحها, والتي كان لابد أن ندركها منذ اليوم الأول الذي حاولنا فيه التقارب مع هذا الكيان الغاصب, وذلك من خلال العديد من الاتفاقيات والمعاهدات وغيرها, وقد أثبتتها لنا الأيام وواقع الحال اليومي لتعامل هذا الكيان مع الشعب العربي المسلم في فلسطين, من خلال تلك الانتهاكات المستمرة والمتواصلة لمقدراته وثرواته, ومن خلال الجرائم المتسلسلة والقمع والعنف اللامتناهي.
الحقيقة السياسية والتاريخية الأخطر والأبرز, والتي يتعامل بها الإسرائيليون دائما في جميع أطروحاتهم المستقبلية للسلام في الشرق الأوسط بشكل عام, ومع الفلسطينيين على وجه التحديد, وستظل القاعدة التي لا يمكن أن تغيب مطلقا عن واقع هذا الكيان, وهي رفضهم للسلام , واختيارهم للعنف والقوة كبديل لتحقيق أهدافهم, وكوسيلة للابتزاز والحصول على أكبر قدر من التنازلات السياسية والسيادية في هذه المنطقة, واللجوء إلى الإكراه والقمع والإرهاب لتحقيق تلك الغايات, وعليه فإن تلك الرؤية السياسية التي تعتمد على القوة العسكرية هي رؤية تاريخية متجذرة في أسلوب تعاملهم لحل قضاياهم المعقدة, وخصوصا تلك التي يعلمون بأنها خاسرة من الأصل, وعلى رأسها قضية استيطان الأرض الفلسطينية العربية واحتلالها, والسلام مع العرب والفلسطينيين, وعليه فان هذه الرؤية لن تتغير بسهولة ومهما كانت محاولات التقارب والتعايش مع هذا الكيان الذي لا يؤمن بالسلام في حقيقة الأمر.
ويشير إلى هذه الحقيقة كذلك و بكل صراحة وتجرد, احد ابرز المؤرخين والدارسين لتاريخ الصهيونية الحديث, وبشكل لا يترك مجالا للشك في ذلك, وهو الكاتب دافيد هرست في كتابه البندقية وغصن الزيتون فيقول واصفا ثيودور هرتزل وهو المؤسس الحقيقي للصهيونية الحديثة, وواضع حجر الأساس للقاعدة الأيديولوجية الصهيونية المستقبلية للسلام في هذه المنطقة, والعالم بشكل عام, “بأن نبي الصهيونية قد أدرك بأنه لا مفر من الإكراه والقوة الجسدية, وانه على الصهاينة أن يحصلوا على هذه الأرض التي اختاروها بقوة السلاح”.

إلى الأعلى