الأربعاء 19 سبتمبر 2018 م - ٩ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : بس يابحر !

باختصار : بس يابحر !

زهير ماجد

اتخم البحر من كثرة ما أكل من بشر مهاجرين باحثين عن ارض تضمهم من جراء ماهم في حرقة وعذاب. هذا العالم القاسي الذي يتهرب من التزامات انسانية بل سوبر انسانية، لايهمه سواء ابتلع البحر اناسا او تاهوا في لجته بحثا عن امان.
كأنما ولدت الانسانية من فم جزار بأنياب حادة .. المهم ان يعيش هو، والباقي من هذا العالم التعبان الى الجحيم.
ماذا يفعل المضطر الى الهرب من بلاده لاسباب وهي عديدة، غير ان يلجأ الى جزء من الارض التي يسكنها .. هل ثمة ارض اخرى يمكن لها ان تضمه. هو المسكين الذي اطلق على نفسه اسم خائب في الارض لان بلاده لاتعترف به، او هي تعيش حربا على مؤامرات، او ان البطالة تنهش جلده وعظمه.
قصة المهاجرين هي اكثر القصص خزيا في هذا العالم الذي لايهتم الا بحاله .. مرة يتمدد طفل كان قد غرق رماه البحر على الشاطيء ولا يحرك هذا المشهد مشاعر احد من الدول التي تعتبر نفسها قديرة وقادرة، ومرة يصل مركب بلا اناس بعد ان صاروا جميعهم طعاما للاسماك وللقرش تحديدا، ومرة يصل مركب وعليه اناس لايمكنهم حتى الكلام من شدة التعب.
ثم هل تذكرون المهاجرين السوريين الذين مشوا مسيرتهم الكبرى قاطعين حدودا اوروبية، بكل اثقالهم واطفالهم وكبار سنهم ومرضاهم، ولم يقل بلد اوروبي مايجب من حماية او مساعدة لهم، بل كان التذمر على وجوه الشرطة والمسؤولين، كانما هؤلاء مرض معد، مع انهم لايتجاوزون المئات، في الوقت الذي لبنان وحده يحتضن مليونا ونصف المليون ويقدم لهم مايحتاجونه من طعام وطبابة وتدريس وثياب واقامة مريحة لاازعاج فيها .. وكذلك الحال في الاردن.
هل فقدت اوروبا المثقفة اريحيتها في الانسنة فخرجت عن كل ماهو مألوف معروف عنها، لتقرأ في كتاب الاستبداد الذي نبذته (!) .. من محاسن ردة فعل اوروبا انها اثبتت لكل مهاجر قيمة وطنه ولو في اقصى ظروفه، هكذا قال كثير من السوريين الذين مشوا تحت المطر وغاصت ارجلهم في الوحل، فتذكروا كم افتقدوا هناء بلادهم ووداعة حياتها.
رحم الله الشاعر الذي قال ” بلادي وان جارت علي عزيزة / واهلي وإن ضنوا علي كرام ” .. ورحم الله المتنبي في قوله الشهير” لك يامنازل في القلوب منازل” .. ارقام المهاجرين العرب قد تكون هي الاكثر عددا، جزء منهم يلتف حول بعضه بالسكن في اقطار عربية مجاورة لقطره، وقسم آخر تسمح له الظروف التمكن من الهجرة المدروسة التي تعني ذهابا بلاعودة بكل اسف، والقسم الآخر باحث بكافة الطرق لتغيير واقعه وهو لايعرف كيف والى اين.
ملايين هي ارقامهم .. فاذا اضفت اليهم الامية الجديدة واللوثة الانتقامية التي سيتربى عليها من خسر بيته وارضه وعمله، سيكون لدينا مستقبل اشد ظلمة من كل مامر على الامة من سنين متحركة بين من احتلوا ارضنا، والحروب التي شنت علينا، ومن ثم الاحتلال العثماني الذي مكث اربعماية عام وصل فيها العقل العربي الى الدرك واعتبر اكثر الاعوام تخلفا، ومن ثم الاستعمار الفرسي والبريطاني ، وهاهو الاميركي والاسرائيلي ، والحبل على الجرار.
منذ سنوات طويلة تسنى لي مشاهدة فيلم كويتي جميل للمخرج الكويتي خالد الصديق بعنوان ” بس يابحر ” وفيه كيف كان يبتلع البحر الرجال الاوائل الباحثين عن اللؤلؤ .. اليوم اردد ايضا الجملة ذاتها مضافا اليها ” بس ايها العالم الفاقد لانسانيته”.

إلى الأعلى