الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 م - ١٥ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / بيانات سارة!

بيانات سارة!

عادل سعد

“إن واحدة من النجاحات الكبرى للسوريين في مواجهة المشروع الإرهابي التدرب على الشعور بالرضا عن النفس رغم ضخامة وهول المشروع التدميري المرسوم لبلادهم، في حزمة دولية لم تبق أي ابتكار للتآمر إلا واستخدمته، ولا إغراءات مالية إلا وتم عرضها. إن السوريين هنا ينفذون بيانات دأب على نشرها الفنان المبدع دريد لحام (إذا كان وطني غلطان فأنا معه, وإذا كان وطني تعبان فأنا عكازه), ”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من حقوق التشخيص علينا الشعور بالرثاء إن لم يكن النبذ لكل الذين أدمنوا الشكاوى بمناسبة وبغير مناسبة، والإمعان بمقارنة فاجعة لأوضاعهم مع أوضاع آخرين، لا امتيازات لهم سوى أن فرصهم أكثر نتيجة المواظبة، واستطاعوا أن يحصلوا على حصة وازنة من المكاسب ، إن المدمنين على هذه الشكاوى لا ينقطع حديثهم عن اليوم الأسود الذي يلازمهم، وضياع حياتهم وانهيار وعود كانوا يحلمون بها، في حين أن أي تفكير منطقي لا بد أن يعيدهم إلى صواب اللحظة الحياتية التي هم عليها الآن، متناسين أن القيمة الأساسية لأي إنسان سياسيا كان أو باحثا علميا أو عامل تنظيف أو عتالا أو خبيرا في علوم الحاسبات أو طبيبا أو عاطلا عن العمل إنما يسقط في محظور اللحظة الحياتية عندما يعتمد النكد سلوكا له بإلحاح يساوي إلحاح الذباب على عدم مغادرة أكوام النفايات لأنه يجد ضالته فيها. والسؤال هنا : من يقنع الذباب أن فرصته لا تكمن في النفايات بل في معاشرة الأزهار؟
على أي حال، الذين أدمنوا الشكاوى لا يتورعون من ارتكاب أبشع الخيانات بحق أنفسهم وبحق الآخرين حين يصرون عن وعي وبغير وعي, أنهم ينبغي أن يكونوا ليس كما هم عليه الآن، وهذا يختلف جوهريا عن عزم الإنسان عموما على تغيير نمط حياته، مع وجود فرق جوهري بين الحالتين لا يمكن اكتشافه إلا من خلال التبحر في المواقف الواعية عموما، وتغلب الشعور بالمسؤولية إزاء حقوق الآخرين، وإلا من الذي دفع الفاروق العادل عمر بن الخطاب إلى القول (لو ضاعت شاة في أرض السواد يقصد “العراق” لكنت مسؤولا عنها يوم القيامة).
وما الذي دفع المهندسة العراقية الراحلة زها حديد إلى القول إنها وجدت فرصتها من الإبداع في المثابرة إلى العمل؟ ومن الذي دفع الصينيين إلى التحذير من صلافة العواصف؟
إن واحدة من النجاحات الكبرى للسوريين في مواجهة المشروع الإرهابي التدرب على الشعور بالرضا عن النفس رغم ضخامة وهول المشروع التدميري المرسوم لبلادهم، في حزمة دولية لم تبق أي ابتكار للتآمر إلا واستخدمته، ولا إغراءات مالية إلا وتم عرضها. إن السوريين هنا ينفذون بيانات دأب على نشرها الفنان المبدع دريد لحام (إذا كان وطني غلطان فأنا معه, وإذا كان وطني تعبان فأنا عكازه), ومن الذي دفع زوجة الجنرال ديجول إلى مغادرة بيتها الفسيح إلى ملجأ لرعاية المسنين بعد وفاة زوجها، وكان بإمكانها أن تعيش بمنزلها الذي ورثته منه، وأن يخدمها متطوعون فرنسيون وفق أجل أنواع الخدمة؟
إن مقاييس الجودة العالية للإنسان هو بما يعطي لصيانة محيطه الذي يعيش فيه، وليس بإقامة البكائيات على (حظه العاثر), وهكذا فإن كل الذين يدمنون على الشكوى والتيبس ولعنة الحظ الأسود الذي هم فيه ليسوا سوى مشاريع للانكفاء, وبالمقابل إن القناعة ثروة الشرفاء مع حقيقة شاخصة أن الحياة عموما ليست عادلة باستمرار وأن أحد الحلول الجذرية هو التكيف معها دون أن تنسى الطموح في التصحيح, و(على قدر أهل العزم تأتي العزائم) كما يرى الشاعر المتنبي.

إلى الأعلى