الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / خلافات (2)

خلافات (2)

أ.د. محمد الدعمي

” .. في الوقت الذي شهد سقوط آخر دول الخلافة (العثمانية) عقب الحرب العالمية الأولى، كانت هذه المؤسسة قد راكمت تراثاً هائلاً مما لاتحسد عليه من ممارسات غير لائقة تمتاز بالنزق، بالدرجة الكافية لبلورة تفوق أنظمة الحكم الأوروبية الحديثة (ملكية دستورية وجمهورية) التي قدم البريطانيون والفرنسيون محملين بها،”
ـــــــــــــــــــــــ
نستخلص مما سبق ذكره أن فكرة دولة إسلامية تديرها حكومة إسلامية كانت مثاراً للجدل والخلافات لأنها مرت بظروف تاريخية مختلطة نسبياً، انعكست على صحابة الرسول (صلى الله عليه وسلم) لأنهم تمسكوا برؤيا مواصلة تجربتهم السابقة التي كان قوامها مجتمع فاضل يقوده نبي مرسل من الله، أي أنهم كانوا يرنون إلى “حكومة الله”، إذا ما شئنا استعارة تعبير الباحث الأميركي خليلزاد. لقد قدر لهذه الرؤيا أن تخفق لأن عصر الأنبياء المعصومين قد ختم بمحمد (صلى الله عليه وسلم)، حسب المعتقدات الإسلامية، كما أن الإتفاق على شخص معصوم كان مفتوحاً لعدد من الآراء والاجتهادات. ولكن بالرغم من أن الاجتهادات والخلافات قد تواصلت لقرون، فان مؤسسة الخلافة تعرضت للتغييرات والتحويرات، إذ أنها انتقلت جغرافياً من موضع لآخر (المدينة المنورة والكوفة ودمشق والكوفة ثانية، ثم بغداد والقاهرة الفاطمية، وأخيراً قضت نحبها في الأستانة أو إسطنبول سنة 1923)، مفرزة نوعاً من التباين واللااستقرار في تحديد مركز جغرافي ثابت للسلطة، مركز يمكن، دون تردد، أن يعد عاصمة للخلافة الإسلامية بالمعنى الحرفي الدقيق. لم يحدث ذلك لأن الخلفاء كانوا ينقلون عواصمهم حسب معطيات الصراعات والحياة السياسية في الإسلام، مع إشارة خاصة لأهمية الشعبية والتأييد التي يحظى بها الخليفة. زد على ذلك تجاوز الترك لشرط الانتساب القومي السابق الذي أرسته الخلافات العربية السابقة منذ بداية خلافة الراشدين ثم عبر الخلافتين الأموية والعباسية.
لقد تم التجاوز على الشروط المذكورة أعلاه حول سلوك وتوازن شخصية الخليفة منذ بدايات عصور التردي والتراجع العباسية المتأخرة، ثم العثمانية، إذ تسنم الحكم خلفاء شاع عنهم عدم الالتزام الديني واقتناء الجاريات والقيان وإدمان الملذات الحسية والتسلية في البلاط الذي حل محل دار الإمارة، وقبله الجامع مركزاً للقيادة، فشاعت الحفلات الساهرة التي تحييها الراقصات والمغنيات من اللائي كن يرسَلن، كهدايا، من مختلف ولاة وعمال دولة الخلافة المترامية. أما بالنسبة لشرط السلامة البدنية للخليفة، فقد تم توظيفه من قبل كبار القادة البويهيين والسلاجقة الذين كانوا يعمدون إلى تنصيب الخلفاء وعزلهم كالدمى في العصر العباسي المتأخر تأسيساً على خدمتهم مصالح هؤلاء القادة الأجانب المتنفذين. إذا ماشاء أحد هؤلاء القادة الأجانب أن يعزل خليفة ما، فانه يعمد إلى “سمل” إحدى عينيه أو كليهما بسحب سوائلها من أجل إعاقته بالعمى، ثم إعلان عدم أهليته للخلافة، تأسيساً على شرط السلامة البدنية. لذا صارت هذه الممارسة عبر الحقبة أعلاه رعب البلاط العباسي.
وفي الوقت الذي شهد سقوط آخر دول الخلافة (العثمانية) عقب الحرب العالمية الأولى، كانت هذه المؤسسة قد راكمت تراثاً هائلاً مما لاتحسد عليه من ممارسات غير لائقة تمتاز بالنزق، بالدرجة الكافية لبلورة تفوق أنظمة الحكم الأوروبية الحديثة (ملكية دستورية وجمهورية) التي قدم البريطانيون والفرنسيون محملين بها، من بين سواهم من الأوروبيين، في أعين الشعوب الإسلامية التي توهمت أن الأوروبيين، أولئك الشقر الطوال، هم رسل التقدم والديمقراطية والتحرر.
تتجسد الخلافة، حلماً، بالنسبة لحركات الإسلاميين الجدد، بوصفها الغاية الأسمى اليوم لكل جماعات الإسلام الجديد الفاعلة، متبعة خطوات السابقين من منظري ومؤسسي حركة التجديد من أمثال الفقيه الكبير إبن تيمية، من بين آخرين، متمسكة فقط بأنموذج دولة الخلافة الراشدة المبكر الذي جسده الخلفاء الراشدون.

إلى الأعلى