الأحد 22 يناير 2017 م - ٢٣ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / قمة دول بريكس السادسة

قمة دول بريكس السادسة

كاظم الموسوي

” التقى قادة البريكس في اليوم الثاني لقمتهم في العاصمة البرازيلية، برازيليا، مع قادة عدد من دول أميركا اللاتينية في محور الإطار الموسع، كما سموه، وهو إطار واسع من التعاون، بين دول البريكس واتحاد دول أميركا الجنوبية (يوناسور) ومجموعة دول أميركا اللاتينية والكاريبي (سيلاك) وبحثوا في مجالات التعاون وتطوير العلاقات البناءة بينهم.”
ـــــــــــــــــــــــــــ
انطلقت فكرتها عام 2008 بمبادرة روسية صينية، وانضمت الهند والبرازيل وجنوب إفريقيا اليها، فاصبحت دول البريكس قوة عالمية يحسب لها الحساب. وقد بحثت في قممها التي توالت كل عام في احد البلدان الاعضاء وضع استراتيجية طويلة الامد للتعاون الاقتصادي والامني والسياسي تراعي فيها خطط التنمية في كل بلد، وتساهم في الوقت ذاته في نمو اقتصادات بلدان المجموعة. عقدت قمتها السادسة، هذا العام، يومي 15- 16/7/2014، في البرازيل، حيث بدأت في مدينة فورتاليزا على الساحل الشمالي الشرقي للبرازيل فعاليات اليوم الأول من القمة، التقى فيها زعماء البرازيل ديلما روسيف، وروسيا فلاديمير بوتين، والهند ناريندرا مودي والصين شي جين بينغ وجنوب إفريقيا جاكوب زوما، وعقدوا اجتماعين، أحدهما مغلق وآخر موسع، كما بحثوا قضايا ملحة خلال جلسة افطار عمل في العاصمة البرازيلية. هذه الاجتماعات اعطت القمة السادسة طابعا سياسيا ايضا، ميزها عن القمم السابقة التي ساد عليها الطابع الاقتصادي، مما يعكس تحولات هامة على الساحة الدولية، وسعيا دؤوبا من هذه المجموعة لكسر منظومة القطب الأوحد التي لم تعد تتناسب مع الوضع الدولي، والتي فشلت في مواجهة المشاكل المتصاعدة على الساحة الدولية، بل ولعبت دورا واضحا في تأجيجها.
التقى قادة البريكس في اليوم الثاني لقمتهم في العاصمة البرازيلية، برازيليا، مع قادة عدد من دول أميركا اللاتينية في محور الإطار الموسع، كما سموه، وهو إطار واسع من التعاون، بين دول البريكس واتحاد دول أميركا الجنوبية (يوناسور) ومجموعة دول أميركا اللاتينية والكاريبي (سيلاك) وبحثوا في مجالات التعاون وتطوير العلاقات البناءة بينهم.
أشار إلى هذا الاطار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وأكد أنه تم وضع أساسه في القمة الأخيرة لـلبريكس في جنوب إفريقيا، عندما التقى زعماء دول المجموعة بقيادة الاتحاد الإفريقي وثمانية اتحادات رائدة أخرى في إفريقيا. وعكست الوثائق الختامية للقمة بيان وخطة عمل فورتاليزا وتقييم زعماء البريكس للوضع السياسي والاقتصادي العالمي الراهن، وأكدت مواقفهم المشتركة حيال القضايا الدولية الملحة. كما صادق قادة المجموعة على اتفاقية تأسيس بنك التنمية الجديد للمجموعة واتفاقية إنشاء صندوق احتياطيات نقدية للدول الاعضاء. وهو الامر الجديد في القمة الجديدة وتاريخ البريكس والعالم.
حسب العديد من المراقبين ان القمة السادسة لمجموعة بريكس، وما صدر عنها يعتبر خطوة مهمة في عملية الانتقال من النظام العالمي أحادي القطبية إلى عالم متعدد الأقطاب. ولا تستبعد أن تؤدي قرارات هذه القمة إلى تغيرات كبيرة في أوضاع السوق العالمية مستقبلا والعلاقات الدولية. كما لوحظ في سير القمة الاخيرة وما سبقها من لقاءات واتفاقيات تعاون بين الدول الاعضاء واتحادات الدول الاقليمية، في افريقيا وأميركا اللاتينية مثلا. وصار معلوما ان القمة البرازيلية انتجت توقيع زعمائها على اتفاقيتين لإنشاء بنك التنمية الاتحادي وصندوق للاحتياطيات النقدية، كمؤسستين ماليتين تابعتين لمجموعة بريكس. لديهما القدرة على تقديم مساعدات وقروض لتمويل المشاريع طويلة الأمد وفق شروط تتفق عليها الدول الخمس. ويقوم إنشاء البنك الاتحادي على حل مشكلة نقص رؤوس الأموال في مشروعات التنمية بالدول النامية، كما يزيد من وزن دول بريكس في المفاوضات الهادفة إلى إصلاح النظام المالي الدولي. ويؤمل ان يكون صندوق الاحتياطيات النقدية، وسيلة “تأمين وأمان” للرد المشترك على التحديات المالية. ويدعم هذا الصندوق الاقتصادات الناشئة على مواجهة التقلبات وعدم استقرار الأسواق. ولا يستبعد زعماء بريكس إمكانية إنشاء صندوق لدول المجموعة خاص بالاستثمار في البنى التحتية، وسبق لروسيا ايضا ان اقترحت تأسيس “منتدى للطاقة” و”معهد لسياسات الطاقة” و”بنك احتياطي للوقود” بهدف تعزيز أمن الطاقة للدول الخمس الاعضاء وكل من يقترب منها او ينظم اليها لاحقا.
الرئيس التنفيذي لصندوق الاستثمار المباشر الروسي كيريل دميترييف قال إن “تأسيس صندوق على هذا النحو سيقطع شوطا كبيرا نحو معالجة تحدي عدم كفاية التمويل لمشاريع البنى التحتية في دول بريكس التي تمثل كل منها فرصة ضخمة وتعاني من مشاكل متشابهة في تنفيذ مشاريع البنى التحتية”.
قام الرئيس بوتين بجولة، من كوبا الى الارجنتين، وصرح “يجب علينا ان نفكر معا في نظام تدابير يحول دون مضايقة الدول التي تختلف في الرأي مع قرارات الولايات المتحدة وحلفائها”. وهذه اشارات واضحة في المساعي الرامية الى تأسيس نظام دولي جديد، متعدد الاقطاب.
من جهته صرح الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو أن القرارات التي اتخذت في قمة بريكس ستغير مسار القرن الحادي والعشرين. وأشار مادورو، في برنامجه التليفزيوني الأسبوعي، إلى أن “بريكس اتخذت قرارات هامة جدا لتغيير النظام العالمي السياسي والاقتصادي”. وقال مادورو إن المجموعة ” قررت تأسيس بنك للتنمية برأس مال أولي قدره 100 مليار دولار، ونظام تجاري ومالي بين اعضائها لاستخدام عملاتها المحلية بدلا من الدولار الأميركي”. وجاءت هذه التصريحات بعد إعلان قمة بريكس في البرازيل عن خطط تأسيس المؤسستين الماليتين الجديدتين اللتين وعدتا بتطوير ومساعدة خطط التنمية للبلدان الاعضاء والحلفاء ايضا. وإشارات الرئيس الفنزويلي واضحة ايضا في الاطمئنان لتلك الخطوات وما يليها من علاقات وتغيرات ومنافسة عالمية. ) وكالة شينخوا 15/7/2014)
تأسيس وتطوير مجموعة بريكس، في حد ذاتها، مؤشر على التحول التدريجي في التوازن العالمي من الدول المتقدمة إلى الدول الصاعدة، ويدعم أيضا الحاجة إلى تشكيل نظام اقتصادي دولي جديد والانتقال إلى عالم “التعددية” على مختلف الصعد. وبلا شك ان مثل هذه التحولات تفتح فرصا اكثر امام الدول النامية الأخرى للتنمية والتحديث. وما قاله الرئيس الفنزويلي مؤشرا على ذلك. رغم ان هكذا عملية لم تكن بالسرعة المتوقعة، بل انها عملية تاريخية تحتاج الى جهود وأفعال واختبار حقيقي وعملي لخطوات دول البريكس وقدرتها على تجاوز النظام الاقتصادي العالمي الحالي، وعدم الاكتفاء بالعمل وفق آلياته او ضمن اطره البيروقراطية تحت مسميات جديدة.
القمة السادسة، كما يبدو من فعاليتها ونشاطها وتطورها، قادرة على التغيير وصناعة التحولات الاستراتيجية العالمية. حيث تنتج المجموعة معا، 21.1% من الناتج الإجمالي العالمي. وقد نما الناتج الإجمالي المحلي للدول الخمس خلال السنوات الـ10 الماضية بأكثر من 4 أضعاف، في حين ازدادت اقتصادات البلدان المتقدمة بنسبة 60% فقط. وتشكل بريكس أكبر سوق في العالم. وقد تضاعف حجم التجارة المتبادلة ضمن المجموعة خلال السنوات الخمس الماضية، وتجاوز 300 مليار دولار في عام 2013. وهي في هذا النمو واعدة في التطور والتوسع.
فهل سنشهد بعد قمة بريكس وبعد الافول الاميركي الواضح عالميا انبثاق النظام الدولي الجديد الذي كان من المزمع انعقاده قبل اكثر من عقدين من الزمان.

إلى الأعلى