الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / “نَصْر غزة” و”مأزق نتنياهو”!

“نَصْر غزة” و”مأزق نتنياهو”!

جواد البشيتي

” لقد كانت حَرْباً، “النَّفَق” فيها للمقاومين الفلسطينيين، و”النُّفوق” للجنود الإسرائيليين، و”النِّفاق” لأُمَّة العرب؛ أمَّا غزة، التي بدت أكبر من الوطن العربي الكبير، فكانت كِتاباً مفتوحاً لإسرائيل، حَفِظَتْهُ عن ظهر قلب؛ فلَمَّا فَتَحَتْهُ، في 8 تموز (يوليو) المنصرم، وَجَدَت نفسها تقرأ كتاباً مختلفاً جديداً، بلغته ومحتواه؛”
ـــــــــــــــــــــــ
الهُدَن (ومنها الهُدْنة الإنسانية) أكانت قصيرة الأمد أم طويلته هي حالة، لها شروطها وأحكامها، تسبقها حرب، ويتوقَّف فيها القتال (أو إطلاق النار) بين المتحاربين حيث تدور الحرب، أو في بعضٍ من مسارحها وميادينها. في”الهُدْنَة “، يتوقَّف القتال، من غير أنْ تنتهي “حالة الحرب”، وقد تقود “الهُدْنة” إلى “صُلْح (سياسي)” بين المتحاربين.
وفي حالة الصراع بين الفلسطينيين وإسرائيل، نرى أنَّ “الهُدْنَة (أو الهُدَن)” تختص دائماً بأحد شطريِّ إقليم “دولة فلسطين”، وهو قطاع غزة؛ فالشطر الآخر، وهو “الضفة الغربية (مع القدس الشرقية)”، إمَّا أنْ يكون مشمولاً بـ “انتفاضة شعبية (أو بما يشبهها، أو بما هو دونها من حيث درجة وشدة الصراع)”، وإمَّا أنْ يكون مشمولاً بـ “مفاوضات سياسية” بين الطرفين (مباشِرة، أو غير مباشِرة) تسمَّى “مفاوضات سلام”، أَثْبَتَت وأكَّدت تجربتها الطويلة أنَّها لا تأتي بالسلام، وإنَّما بمزيدٍ من الاستيطان، والتهويد، والنزاع بين الفلسطينيين أنفسهم، وبمزيدٍ من الانفصال بين “القطاع” و”الضفة”، وبمزيدٍ من أسباب الضَّعْف لوعي وروح المقاوَمَة بين فلسطينيي “الضفة”.
إنَّ أحداً من الموضوعيين في النَّظر والرؤية والتفكير لا يَشُكُّ الآن في أنَّ رياح الحرب الإسرائيلية (والتي، عن اغترار بالنَّفس، سمَّتها إسرائيل ” الجرف الصامد “) على قطاع غزة (المُثْخَن بجراح 8 سنوات من الحصار) جَرَت بما تشتهي سُفُن قوى المقاوَمة الفلسطينية فيه؛ فإنَّ “النَّصْر”، بكثيرٍ من معانيه، العامَّة، أو الخاصَّة بالصراع بين إسرائيل والفلسطينيين، فلسطينيُّ الهوية؛ وليس من مقياسٍ نقيس به “النَّصْر” من “الهزيمة” إلاَّ مقياس “الفَرْق (أو التَّشابه) بين الأهداف (الإسرائيلية، المُعْلَنَة، أو غير المُعْلَنَة) و”النتائج”؛ وكل يومٍ كُنَّا نرى “النتائج” هزيمة واضحة جلية لـ “الأهداف”، التي كان “تَشَوُّشها”، بحدِّ ذاته، دليلاً على أنَّ “الهزيمة” تُخَيِّم على قادة الحرب الإسرائيلية مِنْ سياسيين وعسكريين.
في الحرب، وبها، تُخْتَبَر خَيْر اختبار قدرات “الأُمَّة” جميعاً، وليس العسكريُّ والقتاليُّ منها فحسب؛ ولن يأتي “الانتصار” إلاَّ باجتماع “الصَّلابة الميدانية (العسكرية والقتالية)”، و”صلابة الجبهة الداخلية (وهي ما يسمَّى “الحاضِنة الشعبية” للمقاوَمة في قطاع غزة)”، و”الصلابة السياسية” للقيادة، وفي أثناء التَّفاوض (السياسي) مع العدو على وجه الخصوص؛ والغاية النهائية لكل حربٍ هي أنْ تُرْغِم العدو، أو الخصم، على أنْ يجنح للصلح معكَ، بما يلبِّي شروطكَ ومطالبكَ الأساسية؛ وكأنَّ العدو يُحارَب من أجل أنْ يُصالَح.
المقاوَمة الفلسطينية في قطاع غزة انتصرت، وتنتصر؛ ولن تتعذَّر رؤية هذا الانتصار إلاَّ على مَنْ اعتاد ذهنه السياسي أنْ يرى “النَّصْر”، أو “الهزيمة”، بغير عَيْن “النِّسْبية”؛ ونحن نَعْلَم، على سبيل المثال، أنَّ فيتنام قد انتصرت على الولايات المتحدة “الفيتنامية”، لا “العالمية”؛ مع أنَّ خسائرها العامة فاقت أضعافاً مضاعفة خسائر الولايات المتحدة، التي لو أرادت “حرباً ليست بحربٍ” لأبادت فيتنام في ساعات معدودة.
“النَّصْر”، وبمفهومه “النِّسْبي”، والذي لا مفهوم غيره يُعْتَمَد، ويُؤْخّذ به، أَحْرَزَتْهُ المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة؛ لكنَّ التَّحدِّي الكبير الذي يُواجهه الفلسطينيون الآن هو “كيف يَحْتَفِظون بالنَّصْر (ويُحافِظون عليه)”، و”كيف يَسْتَثْمِرونه سياسياً واستراتيجياً”، ويُتَرْجِمونه، في المفاوضات، وبها، بما يؤسِّس لـ “واقع سياسي ـ استراتيجي” فلسطيني جديد؛ فَكَم مِنْ “نَصْرٍ عسكري (ميداني وقتالي)” تُرْجِم بـ “هزيمة سياسية”؛ وكم من “هزيمة عسكرية” تُرْجِمَت بـ “نصر سياسي”!
وجُلُّ ما نتمنَّاه أنْ نرى من الفلسطينيين، في مُعْتَركيِّ “المفاوضات” و”السياسة”، نُسَخَاً من المقاومين بالحديد والنار!
لقد كانت حَرْباً، “النَّفَق” فيها للمقاومين الفلسطينيين، و”النُّفوق” للجنود الإسرائيليين، و”النِّفاق” لأُمَّة العرب؛ أمَّا غزة، التي بدت أكبر من الوطن العربي الكبير، فكانت كِتاباً مفتوحاً لإسرائيل، حَفِظَتْهُ عن ظهر قلب؛ فلَمَّا فَتَحَتْهُ، في 8 تموز (يوليو) المنصرم، وَجَدَت نفسها تقرأ كتاباً مختلفاً جديداً، بلغته ومحتواه؛ وها هي كلُّ خيارات نتنياهو تقود إلى النتيجة نفسها؛ فإذا تقدَّم (في حربه) سَقَط، وإذا تراجع سَقَط، وإذا بقي في مكانه سَقَط؛ وهذا إنَّما هو “المأزق”، واقِعاً وتعريفاً!

إلى الأعلى