الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / لا تستبدلوا أعداءكم

لا تستبدلوا أعداءكم

” بعد أحداث سبتمبر 2001 فرض على العالم كله “مجهود حربي” جديد في سياق مكافحة الإرهاب و”الحرب على الإرهاب”. ولأن الإرهاب ارتبط بالمسلمين ـ والعرب في مقدمتهم ـ لم تجد دول المنطقة (أو بالأحرى الأنظمة الحاكمة فيها، لأن الشعوب كان موقفها مختلفا إلى حد ما) سوى التطوع في تلك الحرب بل والمزايدة أحيانا على أميركا وحلفائها الغربيين.”
ـــــــــــــــــــــــــــ
أحد الدروس المستفادة من حرب غزة، إن كان للدم الطاهر من آلاف الأبرياء ألا يذهب سدى، هو تذكير كثير من الشعوب العربية بأن العدو الأول والرئيسي لها هو دولة الاحتلال الاستيطاني في فلسطين: اسرائيل. فللأسف الشديد، وعلى مدى السنوات الأخيرة، كادت تلك الحقيقة تضعف وتتراجع أمام تغيرات عاصفة شهدتها عدة دول وصراعات وأزمات تعاني منها أخرى. وتأبى اسرائيل إلا أن تكرر عدوانها بين الفينة والفينة كي لا ننسى تلك الحقيقة، ويدفع الفلسطينيون دوما ثمن تذكير شعوب المنطقة بأولوياتهم. صحيح أن الحرب على غزة هذه المرة أخرجت بعض ما هو غث من المزايدين والأفاقين، لكن الغالبية العظمى من الناس ـ خاصة في الدول المعنية بالصراع مع اسرائيل بشكل مباشر ـ استعادت بعض الوعي الذي كاد أن يميع.
بعد أحداث سبتمبر 2001 فرض على العالم كله “مجهود حربي” جديد في سياق مكافحة الإرهاب و”الحرب على الإرهاب”. ولأن الإرهاب ارتبط بالمسلمين ـ والعرب في مقدمتهم ـ لم تجد دول المنطقة (أو بالأحرى الأنظمة الحاكمة فيها، لأن الشعوب كان موقفها مختلفا إلى حد ما) سوى التطوع في تلك الحرب بل والمزايدة أحيانا على أميركا وحلفائها الغربيين. ووصل التغير الذي أعقب نهاية الحرب الباردة بين قطبين عالميين إلى قمة المنحنى، وأصبح “الإرهاب الإسلامي” العدو الجديد ليس محل الشيوعية بالنسبة للغرب الرأسمالي فحسب بل اتفق عليه الشرق والغرب. ولأن منطقتنا هي “مصدر” ذلك الخطر الذي يهدد البشرية، فقد أصبحت بؤرة الاهتمام والحروب والضغط والنهب والابتزاز. واستجابت دول المنطقة لذلك متصورة أن هذا سيجعل الغرب “يرضى”، لكن لا الغرب ولا الشرق يهمه حتى التخلص من الإرهاب ناهيك عن أن “يسامح” من يتهمهم بأنهم السبب فيه. وها هو الغرب يسعى للاتفاق مع إيران ـ التي تعتبر أميركا الشيطان الأكبر وما زالت ويعتبرها الغرب ثالث أضلاع محور الشر في العالم وما زال ـ لأنها أصرت على المنطق الوحيد الذي يفهمه العالم: القوة والندية. هذا رغم أنها ليست بقوة لا نقول أميركا ولكن حتى دولة أوروبية قوية، لكنها على الأقل “كابرت” في طلب السماح والخضوع للابتزاز.
خلاصة القول أن أميركا والغرب ـ وفي هذا معهم الشرق أيضا ـ حريصون على بقاء الإرهاب واستمراره بشكل لا يختلف كثيرا عن حرصهم على بقاء التجمع البشري العنصري الاستيطاني الوحيد المتبقي في العالم: اسرائيل. وهنا أيضا لا يختلف الشرق كثيرا مع الغرب، فقد كانت موسكو ـ وهي القطب الدولي الثاني إبان الحرب الباردة ـ داعمة لإسرائيل أيضا. ولا يفيد هنا التباكي على أن ” منطقتا مستهدفة ” وأن هناك “مؤامرة دولية” علينا وعلى الإسلام والمسلمين. إذ للأسف الشديد ساهم هذا على مدى عقود في تدهور أوضاعنا وضعفنا وعدم قدرتنا على المقاومة أو التطور بذريعة ” وماذا سنفعل والعالم كله ضدنا “. وفي ظل ذلك تتعاظم العوامل الذاتية التي تجعل من المنطقة “مشكلة”، وأهم تلك العوامل هذا التطرف الديني الذي تستغله جماعات بعينها مستعدة للتعاون مع الشيطان ـ وقبله أميركا والغرب والشرق وحتى اسرائيل ـ لتحقيق مصالح “جماعاتية” تتقاطع في الأغلب مع مصالح داعمي اسرائيل والإرهاب. لهذا لا يستغرب المرء اطلاقا دعم أميركا وأوروبا الغربية للإخوان وغيرهم من الجماعات المتطرفة ـ بالضبط كدعمهم لكيان عنصري يدعي نقاء دينيا مثل دولة الاحتلال الصهيوني.
والآن، يستغل العدوان البربري على الفلسطينيين في قطاع غزة لترسيخ مصيبة جديدة وهي استبدال اسرائيل كعدو لشعوب المنطقة بالإرهاب كعدو “يتطلب تعاونا مع اسرائيل وداعميها لمكافحته”. وإذا انطلت هذه الفرية على دول المنطقة، فأتصور أنها مقدمة نهايتها. فلا تستجيبوا لهذا التضليل المتعمد وتستبدلوا أعداءكم. ولا يخدعنكم هذا الخطاب القميء الذي يروجه الإخوان ومن وراءهم من أن العرب والمسلمين “متواطئون” مع اسرائيل على الفلسطينيين في غزة، فتلك مقدمة لتضليل جديد بأن يتعاون الإسلاميين مع الإسرائيليين طالما خذلهم “أهلهم وعشيرتهم”. فاستبدال الأعداء بداية لاتفاقهم عليكم، واستمرار لتبرير الضعف والهوان بإلقاء التبعة على الآخر وكأن لا بد لنا فيه ولا حول لنا ولا قوة. ولو لم نخرج من هذه المحنة سوى بالحفاظ على ثوابت بأن اسرائيل عدونا الأول والرئيسي، وأن الإرهاب مرض في جسدنا يحرص من وراء اسرائيل على ألا نشفى منه لكان هذا مكسبا.
وللأسف الشديد لا يضر بمقاومة العدو أكثر مما يروجه الإخوان من عواصم الغرب وبعض عواصم المنطقة بأن “إسلاميين” فقط هم من يقاومون في غزة، وبأن بقية المنطقة ضدهم لأنها متآمرة على “الإسلاميين”. منذ أكثر من نصف قرن والفلسطينيون بكافة مكوناتهم يقاومون الاحتلال الاستيطاني العنصري في كل فلسطين، ولم يفدهم اطلاقا “جهاد بن لادن وقاعدته” الذي صنعه واستغله من يدعمون اسرائيل، والحال نفسه مع داعش وماعش ومن يدمرون سوريا وليبيا وتونس والجزائر ومصر واليمن من جماعات تتلطى بالاسلام وهومنها براء.
هناك سؤال ساذج لعل الإجابة عليه تكون بداية وضوح رؤية والحفاظ على بعض مقومات استمرار هذه المنطقة: لماذا هذا العدوان الاسرائيلي الآن بهذه الضراوة وبعنوان استهداف فصيل إسلامي في غزة (ويغطي به تطهيرا عرقيا ضد الفلسطينيين عامة) وتزامنا مع بروز داعش في العراق وسوريا وأمثالها في ليبيا وتونس والجزائر ومصر واليمن وبدعم من القوى ذاتها التي تبتزنا منذ 2001؟

د. أيمن مصطفى
كاتب صحفي عربي

إلى الأعلى