الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 م - ٥ ربيع الثاني ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / سماء اقتصادية ملبدة بغيوم حرب تجارية
سماء اقتصادية ملبدة بغيوم حرب تجارية

سماء اقتصادية ملبدة بغيوم حرب تجارية

” السلوك الصيني في إدارة الأزمات رائع ويستحق الإشادة لأنه يضع على طاولة مفاوضاته بنداً ثابتاً وهو “المصلحة” بينما يتحرك في البنود المتغيرة والتي تمثلها “الإجراءات والتوقيتات”، ولهذا ليس غريباً أن نجد وزير التجارة الصيني، تشونغ شان، يقف أمام برلمان بلاده ويوجه رسالة إلى العالم قائلاً : “الصين لا تريد حرباً تجارية ولن تبدأ حرباً تجارية، لا يوجد فائزون في هذه الحرب، ولن تجلب سوى كارثة للصين والولايات المتحدة والعالم”،”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الاضطرابات الاقتصادية التي تضرب العالم حاليا تنبئ أن حرباً تجارية بدت تحط أوزارها وطرفاها هما القوتان العظميان اقتصادياً في العالم، الولايات المتحدة الأميركية والصين، وهذه الحرب ستخيم بسُحب الركود في سماء التجارة الدولية في كل بقاع الكرة الأرضية.
الرئيس الأميركي يدق طبول الحرب بدقات متسارعة منذ توليه، فالرسوم الجمركية التراكمية التي يقرها بداعي الحماية التجارية الأميركية تستهدف المنتجات الصينية في المقام الأول، ورغم ذلك فإن الضرر سيطال كل قوى اقتصادية عظيمة منها حلفاء لأميركا مثل اليابان وكوريا الجنوبية والهند والاتحاد الأوروبي، وفي المقابل تئن الصين من هذه الإجراءات خاصة وأن السوق الأميركي من أكبر الأسواق العالمية المستقبلة للمنتجات الصينية (حوالي 375 مليار دولار)، لكن بكين معها مفاتيح بديلة لفتح أبواب في أسوق عالمية اخري لتعويض خسائرها في السوق الأميركي، وبطبيعة الحال سينتج عن هذه السياسات ركود اقتصادي وتضخم.
تباينت تقديرات المستثمرين العالميين حول ركود اقتصادي سيشهده العالم، وفق تقرير لـ”بنك أوف أميركا ميريل لينش”»، 43% منهم توقعوه في الربع الأول من عام 2020، ورأى 41% أن الركود سيقع العام المقبل، ورجح 2% حدوثه هذا العام، فيما اتفقوا على استمرار ارتفاع التضخم، وتزايد المخاطر بفضل الاستثمار في أسهم البنوك وشركات التكنولوجيا والطاقة، وتجنب التوظيف في أسهم شركات السلع الأساسية والاتصالات والمرافق العامة، في الوقت الذي تخوف 30% من مديري صناديق الاستثمار من حدوث خطأ في سياسات بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي والبنك المركزي الأوروبي، بينما تزايدت المخاوف عند 25% منهم من نشوب حرب تجارية.ترامب فرض قيودا تستهدف 50 مليار دولار من الواردات الصينية أغلبها من المعادن، لكن الصين تعهدت بالدفاع عن “حقوقها ومصالحها المشروعة” إذا استهدفتها إجراءات تجارية أميركية، في المقابل المفوضية الأوروبية أبلغت المنظمة العالمية للتجارة، أن الاتحاد الأوروبي مستعد لاتخاذ إجراءات مضادة تتعلق بسلسلة من المنتجات الأميركية الشهيرة إذا فرضت واشنطن رسوماً جمركية على منتجاتها من الصلب والألومنيوم، ودعت اليابان أميركا إلى “سلوك متعقل” بسبب الرسوم الجمركية التي فرضتها على المعادن.
اليابان والاتحاد الأوروبي تحركا صوب الإدارة الأميركية للحصول على إعفاءات جمركية، الصين لم تقف مكتوفة الأيدي خاصة بعد إدانة ترامب الخلل في ميزان العلاقة التجارية بين واشنطن وبكين، ووصفه هذا الخلل بأنه يشكل خطراً على الولايات المتحدة، فجرت جولات من المفاوضات في بكين وواشنطن، ترأس الطرف الصيني في المفاوضات نائب رئيس الوزراء ليو هي، ومن الجانب الأميركي وزير الخزانة ستيفن منوتشين، وانتهت جولات المفاوضات بإعلان صريح للمسئول الصيني بقوله: “الطرفان توصلا إلى توافق ينص على عدم خوض حرب تجارية وعلى التوقف عن زيادة الرسوم الجمركية من قبل كل منهما”.
السلوك الصيني في إدارة الأزمات رائع ويستحق الإشادة لأنه يضع على طاولة مفاوضاته بنداً ثابتاً وهو “المصلحة” بينما يتحرك في البنود المتغيرة والتي تمثلها “الإجراءات والتوقيتات”، ولهذا ليس غريباً أن نجد وزير التجارة الصيني، تشونغ شان، يقف أمام برلمان بلاده ويوجه رسالة إلى العالم قائلاً: “الصين لا تريد حرباً تجارية ولن تبدأ حرباً تجارية، لا يوجد فائزون في هذه الحرب، ولن تجلب سوى كارثة للصين والولايات المتحدة والعالم”، وكان لهذه الكلمات وقع السحر على ترامب خاصة وأنه رجل اقتصاد فريد، فكان قراره بالتراجع وفق بند المصلحة لأنه تذكر مصير الذرة والفحم الأميركي بعد غلق السوق الصيني أمامه ومدي حاجة بلاده للمعادن، فأعلن عن تخفيض 25% من الرسوم والاعفاءات على واردات الصلب و10% على الألمونيوم، وكلف مسئوليه بقيادة مفاوضات التهدئة.
إعلان تهدئة الحرب لم ينته عند الإعلان الأميركي الصيني، لكن أطراف عملاقة اقتصاديا بدأت تظهر قلقاً من التناغم الأميركي الصيني، فقال وزير الاقتصاد الفرنسي برونو لومير “قد يحصل الاتفاق بين الولايات المتحدة والصين على حساب أوروبا إذا لم تكن أوروبا قادرة على إظهار الحزم”، وأضاف: “تريد الولايات المتحدة أن تدفع البلدان الأوروبية ثمن سوء تصرفات الصين، وهذا مناف للمنطق وغير مفهوم إطلاقاً بالنسبة لحلفاء”، وهذه مؤشرات أخرى مفادها أن الحرب التجارية ما زالت تخيم في الأفق، ولها معطيات كثيرة موجودة في الاقتصاد العالمي، ومن غير المستبعد أن تتغير خريطة التحالفات إذ أن دولاً كثيرة وقوى اقتصادية أقرب منهجياً إلى أميركا من الصين، بل ومن المؤكد أن الصين والولايات المتحدة سيكونا طرفين في هذه الحرب. خاصة بعد القرار الاخير لترامب بفرض الضرائب على واردات الصين ودول الاتحاد الاوروبي التي اعلنت من خلاله الاخيرة عن انها لن تقف مكتوفة الأيدي ضد مصالحها.

جوده مرسي
من أسرة تحرير الوطن

إلى الأعلى