الأربعاء 18 يوليو 2018 م - ٥ ذي القعدة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شذرات من هدى القرآن

شذرات من هدى القرآن

الـصـوم وأثـره في النفـس (30)
أخواني القراء .. كل عام وانتم بخير .. عيدكم مبارك وعساكم من عواده .. نستكمل معكم اليوم آخر حلقات هذا الموضوع .. من الصوم وأثره في النفس.
الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلين وخاتم النـبيين وإمـام الـمتـقـين وحجـة الله رب العـالـمين وعـلى آلـه وأصـاحـبه أجـمعـين وعـلى الـتابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـلا زال الحـديث مـوصـولاً عـن الـصيام وأثـره في الـنفـس، قال تعالى:)ولـيـؤمـنـوا بي(، أي: أن يــومـنـوا به سـبحانه وتعالى إلـهـاً حـكـيماً عـلـيماً رءوفـاً رحـيمـاً، ولـيس كل مـن يـسأل يـسـتـجاب لـه بـسـؤاله نـفـسه، لأن الألـوهـية تقـتضي الحـكـمـة التي تعـطي كل صـاحـب دعـوة خـيراً يـناسـب الــداعي، لا بـمـقـاييسـه هـو ولـكـن بـمـقايـيس الله مـن يجـيب الـدعــوة.
إن الـصـيام مـن جـملة الـعـبـادات، فـلا يـصح إلا بـنـية، وقـد وقـتها الـشارع قـبـل الـفجــر، فـكـيف يقال: إن الأكـل والـشـرب بعـد الـفـجـر جائـز، وروى الـبخـاري ومسلـم عـن سـهـل بن سـعـد قال: نـزلـت الآيـة:(وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) (الـبـقـرة ـ 187)، ولم يـنزل مـن:(الفجـر) وكان رجـال إذا أرادوا الـصـوم ربـط أحـدهـم في رجـلـيه الخـيـط الأبـيض والخـيط الأسـود، ولا يـزال يأكـل ويشـرب حتى يـتـبـين له رؤيـتهـما ويـمـيز بـينهـما، فأنـزل الله بـعــد ذلك:(مـن الـفـجـر)، فـعـلـمـوا أنه إنـما يـعـني بــذلك بـياض الـنهـار.
وعـن عــدي بن حاتم الـطائي قال قـلـت: يا رسـول الله مـا الخـيـط الأبـيض مـن الخـيـط الأسـود أهـمـا خـيـطان؟ قال:(إنـك لـعـريض الـقـفـا)، أي: قـلـيـل الـفـطـنة إن أبـصرت الخـيـطـين ــ ثـم قال ــ لا بـل هــو سـواد اللـيـل وبـيان الـنهـار) أخرجه البخاري وسـمي الـفـجـر خـيـطاً لأن مـا يـبـدو مـن الـبـيـاض يـرى كالخـيـط.
قـال تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) جـعـل الله تعالى اللـيـل ظــرفـاً للأكل والـشـرب والـرفـث، والـنهـار ظـرفـاً للـصـيام، فـبـين أحـكام الـزمانـيـن وغـايـر بينهـمـا، فـلا يجـوز في الـيـوم شيء مـمـا أباحـه باللـيـل إلا الـمسـافـر أو الـمـريـض، فـمـن أفـطـر في رمضان مـن غــير ما ذكـر فـلا يـخـلـو إمـا أن يــكـون عـامـداً أو ناسـيـاً، فإن كان الأول فـقـد قال بـعـض الـعـلـماء فـعـلـيه الـقـضاء والـكـفـارة، وروى أبـوهــريــرة ـ رضي الله عـنـه ـ قال: إن رجـلاً أفـطـر في رمضان بـغـير عــذر فأمـره الـرسـول (صلى الله عـليه وســلـم) أن يـكـفـر بـعـتـق رقـبـة أو صـيام شـهـريـن مـتتـابعـين أو إطـعـام سـتـين مسكـيناً.
وأما إذا أفـطـر ناسـياً لا قـضاء عـلـيه لـقـول الـرسـول (صلى الله عـلـيه وســلـم)، لـمـن أكل أو شـرب ناسـيـاً:(يـتـم صـومـه) وإذا قال الـرسـول:(يـتـم صـومه) فأتـمه فـهـو صـوم تام كامـل وهـو الـذي عـلـيه الـجمـهـور، قال أبـو بـكـر الأثـرم: سـمـعـت أبا عـبـدالله لـيسأل عـمـن أكل ناسـياً في رمضان لـيـس عـلـيه شيء، فإنـما هـو رزق سـاقه الله تعالى إلـيه ولا قـضاء عـلـيه)، وفي روايـة:(ولـيـتـم صـومه فإن الله أطـعـمه وسـقاه).
وروى أبـو هـريـرة ـ رضي الله عنه:(مـن اصـبح جـنـباً فـلا صـوم له) أخـرجـه الإمـام مالك في الـمـطـأ وغــيره، وفي كـتاب النسـائي أنه قال لـما روجـع:(والله مـا أنا قـلـته، محمد ـ صلى الله عـلـيه وســلم ـ والله قاله)، وقـد اخـتلـف في رجـوعـه عـنهـا، وأشـهـر قـولـيـه عـنـد أهـل الـعـلـم أنـه لا صـوم لـه حـكاه ابن الـمـنـذر، وروي عـن الحـسـن بن صالح ، وعـن أبي هــريـرة أيضـاً قـول ثالث:(إذا عـلـم بنـابتـه ثـم نام حتى يـصبح فـهـو مفـطـر، وإن لـم يـعـلـم حتى أصـبح فـهـو صـائـم).
وقـوله تعالى:(ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)، أمـر يـقـتضي الـوجـوب مـن غــير خـلاف، و(إلى) غـايـة، فإذا كان مـا بـعـدهـا مـن جـنس مـا قـبـلهـا داخـل في حـكـمـه كـقـولك: اشـتريت مـنـك مـن هــذه الـشـجـرة إلى هــذه الـشجـرة والـمـبـيع شـجـر فـإن الـشجـرة داخـلة في الـمـبـيـع بخـلاف قـولـك اشــريـت الـفـدان إلى الـدار، فالـدار لـيسـت داخـلـة في الـمـبـيـع لأن الـــدار لـيـسـت مـن نـوع الـفــدان ولـذلك فالـدار لا تـدخـل في الـمحــدود إذ لـيست مـن جـنسه، فـشـرط الله تعالى الـصـوم حـتى يتـبـين اللـيـل، كـما أبـاح الأكـل حتى يـتـبـين الـنـهار.
ومـن تـمام الصـوم اسـتصحـاب الـنـيـة دون رفـعهـا، فإن رفـعـها في بـعـض ونـوى الـفـطـر إلا أنـه لـم يأكـل ولـم يـشـرب فـقال بـعـض عـلـيه الـقـضاء، وقال بـعـض فـهـو عـلى صـومـه، ولا يخـرجـه مـن صـومه إلا الإفـطـار بالـفـعـل وليـس بالنـيـة، وقـيـل عـلـيه الـقـضاء والـكـفارة والله أعـلـم.
وقـوله تعالى:(إلى اللـيـل) يـقـتضي ويـفـهـم النهـي عـن الـوصال، إذ اللـيـل غـاية الـصـيام، وقالتـه عـائشـة أم الـمـؤمـنين، وظـاهـر الـقـرآن والـسـنة يـقـتـضي الـمـنـع عـن الـوصال، قال (صلى الله عـلـيه وسـلم):(إذا غـربت الـشـمـس مـن هـهـنا وجـاء اللـيـل مـن هـهـنا فـقـد أفـطـر الـصائـم) أخـرجـه مسـلم في كـتاب الـصـيام مـن حـديث عـبـد الله بن أبي أوفى، ونهـى عـن الـوصال، ونهـاهـم الـرسـول (صلى الله عليه وسلم) عـن الـوصال:(إيـاكـم والـوصال، إياكـم والـوصـال) أخـرجـه الـبخـاري في الـصـيام.
وقال (صلى الله عـلـيه وسـلم) عـن عـبـدالله بن عـمـرو بن الـعـاص:(إن للـصائـم عـنـد فـطـره لـدعـوة مـا تـرد) وقال ابن أبي مـلـيكـة: سـمـعـت عـبـدالله بن عـمـرو يـقـول إذا أفـطـر:(اللـهـم إني أسـألك بـرحـمـتك التي وسـعـت كل شيء أن تـغـفـر لي)، وفي صحيح مسـلم في الـصيام عـن النـبي (صلى الله عـلـيه وسـلم):(للـصائـم فـرحـتان يـفـرحهـما إذا أفـطـر فـرح بـفـطـره وإذا لـقي ربه فـرح بـصـومه).
ويخـتـم الله الآيـة بـقـوله:(لـعـلـهـم يـرشــدون)، فـما مـعـنى (يـرشـدون)؟ إنـه يـعـني إلى طـريـق الـخـير وإلى طـريـق الـصـواب، وهـذه الآيـة جـاءت بـعــد آيـة الـشـهـر:( شـهـر رمـضان الـذي أنــزل فـيه الـقـرآن هــدى للـناس ) كي تـبـين لـنا أن الـصـفائـية في الـصـيام تجـعـل الـصائـم أهــلاً للــدعـاء، وقـد لا يـكـون حـظـك مـن هـذا الـدعـاء الإجــابـة، وإنـما يـكـون حـظـ فـيه الـعـبـادة، ولـكي يـبـين لـنـا الله بـعـض الـتـكـلـيـفات الإلـهـيـة للـبـشـر، فـهـو يأتي بـهـذه الآيـة التي تـبـين بـهـا ما يـحـل لـنـا في رمـضان .. فنسأل الله أن يتقـبـل منا صيامنا وقـيامـنا وركـوعـنا وسـجـودنا، وكل عـمـل تقـربنا به إلـيه مـن كل فـريـضة أو سـنة أو نافـلة أو صـدقـة آمـين يا رب الـعـالمـين.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى