الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 م - ١٥ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / ما الذي يشغل أميركا اللحظة؟

ما الذي يشغل أميركا اللحظة؟

د. محمد الدعمي

”.. الحق أقول، بأن سياسة الرئيس ترامب الحمائية، المعروفة بــ”التسامح صفر” مع المهاجرين غير الشرعيين مبررة، إلا أني أخشى تحول هذا الاتجاه السياسي الخاص بحراسة الحدود إلى موجة عنصرية، يضطلع بها “أصحاب الرقبات الحمر” Red Necks الكارهون للأجانب، موجة قد تقود إلى تحول الولايات المتحدة الأميركية إلى شيء أشبه ما يكون بنظام الفصل العنصري الذي كان معتمدا في جنوب إفريقيا.”

يدور الجدل حول مسألة خرق الحدود والهجرة غير الشرعية إلى الولايات المتحدة الأميركية دورانا عجيبا اللحظة، ليلبس لبوسا سياسيا وحزبيا تارة، وليهدد بالتوسع نحو شروخ اجتماعية خطيرة، تارة أخرى. هذا الجدل متنوع الأبعاد ذو صلة بعدد كبير من القضايا. وقد استعرت نيرانه حال إعلان وزير العدل الأميركي ما أطلق عليه “سياسة التسامح صفر” Zero tolerance policy مع المهاجرين اللاشرعيين، إذ قامت السلطات الحدودية بعمل، يعد الأول من نوعه في تاريخ الولايات المتحدة، وهو فصل الأطفال (بين 3-17 سنة) عن والديهما عند توقيف الأخيرين من قبل قوات حرس الحدود، ثم إيداع هؤلاء الأطفال في أقفاص داخل سكن جماعي واسع يكون أشبه بالسجن الكبير، بينما يرمى ذووهم في السجون كمجرمين.
لذا، تفجر النقاش: فهناك من يدعي بأن فصل الأطفال عن ذويهم يشكل عملية لا إنسانية ومتوحشة، لا يمكن أن تعكس “حقيقة أميركا”، كدولة تحترم حقوق الإنسان، وهناك من يدعي بأن توقيف الوالدين هو واجب باعتبار مخالفتهم القوانين، وهذا هو ما ينبغي أن يطبق حرفيا عليهم، كما هي الحال على المواطنين الأميركان أنفسهم في حال سجن أحد الوالدين لاقتراف جريمة.
الرأي الثاني، هو الرأي المؤيد لسياسة “التسامح صفر” مع المهاجرين غير الشرعيين القادمين من دول أميركا اللاتينية. هو رأي يرتكن إلى مبدأ مفاده: أن الدولة إذ كانت بلا حدود محكمة، لا يمكن أن تكون ذات سيادة. لذا عدت الإجراءات المتشددة لضبط الحدود ومنع اختراقها إجراءً من أشكال إجراءات حفظ الأمن القومي.
أما المعارضون، الداعون إلى التسامح مع المهاجرين وعدم حرمان أطفالهم منهم، فإنهم يذهبون إلى أن أميركا دولة خيرية النزعة، وهي بحاجة لهذا النوع من الهجرة اللاشرعية باعتبار ما تتيحه لسوق العمل من “أيادٍ رخيصة”، هي أيادٍ عاملة لا تمانع من ممارسة أدنى أنواع الكدح مستوى، وبضمنها الأعمال التي يأنف العاملون الأميركان عن قبولها، من نوع تنظيف الحمامات وغسل الصحون وتسليك المجاري، من بين أنواع أخرى من العمل المتدني النوعية، برغم ما يحصده من أجور عالية.
والحق أقول، بأن سياسة الرئيس ترامب الحمائية، المعروفة بــ”التسامح صفر” مع المهاجرين غير الشرعيين مبررة، إلا أني أخشى تحول هذا الاتجاه السياسي الخاص بحراسة الحدود إلى موجة عنصرية، يضطلع بها “أصحاب الرقبات الحمر” Red Necks الكارهون للأجانب، موجة قد تقود إلى تحول الولايات المتحدة الأميركية إلى شيء أشبه ما يكون بنظام الفصل العنصري الذي كان معتمدا في جنوب إفريقيا، وهذا ما لا تتمناه الأغلبية البيضاء من الشعب الأميركي الذي يؤمن بالانفتاح على الآخر، ويبغض هؤلاء الذين يعانون من عقدة كراهية الأجانب Xenophobia التي يمكن أن تأخذ مديات أكثر خطورة عندما تتحول إلى نوع من “العنصرية الآرية” التي تقدس الجنس الأشقر، الأمر الذي سيقود إلى ثورة سوداء ضد “دكتاتورية البيض”!
وللمرء أن يراقب بدقة كيف ستتفاعل مخرجات “سياسة التسامح الصفر” مع دول جوار أميركا التي تجني الكثير من العملة الصعبة عن طريق بقاء سيلان الهجرة غير الشرعية إلى أميركا، واستمرار ما تدره الشغيلة الرخيصة من موارد مالية قيمة لتقوية اقتصادات هذه الدول الفقيرة، كالمكسيك!

إلى الأعلى