الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 م - ١٥ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / أيام في ماليزيا

أيام في ماليزيا

د.أحمد القديدي

أول انطباع أسجله وأنا المغرم بالسياسة هو العزم على مقاومة الفساد دون خلفيات سياسية أو افتراء، فالقضاء هنا مستقل وسمح لرئيس الوزراء الأسبق أنور إبراهيم أن يتقدم بطلب مراجعة الحكم الصادر ضده منذ عشرين عاما، بل وبدخول الفضاء الانتخابي، وهذا الخبر عزز اعتقادي بأن هذه الدولة المسلمة تراجع أخطاءها وتصحح مسارها بثقة في شعبها، وبإصرار على صيانة القيم الأخلاقية الإسلامية..

أول ما يستقبلك في العاصمة كوالالمبور ترحيبا واحتفاء بالضيوف هو مطارها، فتدرك أنت القادم إليها بأن بشاشة رجال ونساء شرطة الحدود والجمارك هي إشارة الفرح بك بابتسامة لطيفة مرسومة تلقائيا على الوجوه، تجعلك ترتاح للبلاد من خلال أول واجهة تستقبلك. وتذكرت الوجوه العابسة منذ سنوات في مطارات أوروبية وأميركية توحي إليك وأنت البريء المسالم بأنك متهم بشيء ما أو على أقل تقدير أنك غير مرغوب فيك، وقس عليها أغلب المطارات العربية التي أصيبت بعدوى الأمراض الغربية، فرسمت على وجوه الموظفين تكشيرة الحذر والخوف، خصوصا وأنا أحمل عقدة قديمة من خشية المطارات والحدود بحكم أني كنت ملاحقا من “إنتربول” بإرادة دولة الاستبداد على مدى سنوات عجاف، فكلما نزلت في مطار حتى بعد زوال اسمي من الشبكة الإنتربولية تملكني خوف مزمن من خطإ ما أو سوء عمل الكمبيوتر، فيأخذونني بغير زلة أو على الأقل يعطلونني لساعات. هذا الإحساس لا تعرفه وأنت تجتاز الحواجز الماليزية بانسيابية عجيبة ألغت النواميس البيروقرطية، كما هو الشأن في كل المعاملات الماليزية من مصارف وفنادق ومعالم سياحية. أول انطباع أسجله وأنا المغرم بالسياسة هو العزم على مقاومة الفساد دون خلفيات سياسية أو افتراء، فالقضاء هنا مستقل وسمح لرئيس الوزراء الأسبق أنور إبراهيم أن يتقدم بطلب مراجعة الحكم الصادر ضده منذ عشرين عاما، بل وبدخول الفضاء الانتخابي، وهذا الخبر عزز اعتقادي بأن هذه الدولة المسلمة تراجع أخطاءها وتصحح مسارها بثقة في شعبها، وبإصرار على صيانة القيم الأخلاقية الإسلامية، كما قال وزير الدفاع. الانطباع الثاني الذي تأثرت به وأثراني سياسيا وحضاريا هو حديثي مع أحد المقربين من رئيس الحكومة الجديد القديم مهاتير محمد الذي سألته عن سر النجاح الباهر لماليزيا على كل الأصعدة فقال لي: إننا أدركنا أن الدولة التنموية هي البديل عن الدولة الإدارية ونحن نسير على هدى من الله تعالى، وتوجيهات من مهندس المعجزة الماليزية مهاتير محمد الذي يؤمن بأن كل أمة لها جيناتها الحضارية الناتجة عن هويتها الأصيلة، ولا تتقدم أمة من الأمم إلا بهويتها الأصيلة لا الهوية الدخيلة، وهو مفهومنا للحداثة. كما أن مهاتير محمد يؤمن بالفرق الكبير بين مستوى المعيشة ومستوى الحياة؛ لأن الإنسان لا يعيش بالخبز فقط، بل يحتاج إلى قيم ومثل عليا، فحرصنا في ماليزيا على شحن البرامج التعليمية بالقيم والآداب والفنون وعلوم التاريخ وحوار الحضارات حتى ينشأ جيل جديد مشبع بالكبرياء الوطنية. وقال لي هذا المسؤول بأن سر القفزة الاقتصادية والاجتماعية يكمن في عدم الانخراط في المنظومة الأطلسية وأذرعها المالية من صندوق النقد والبنك العالمي، وفي عدم تنفيذ تعليماتهم القاضية بإلغاء القطاع العام والتوحش في الخصخصة وطرد الموظفين، ورفع الدعم عن المواد الأساسية، بل في التنمية والتعاون الاجتماعي، واتباع مسالك العدل الجبائي؛ أي انتهاج نمط وطني متحرر من الوصاية والإملاءات، ولم أملك أنا أن أفكر في فقدان بعض الشعوب العربية لهذه الكبرياء وعزة النفس حينما أرى الطوابير العربية الواقفة أمام شركات المناولة للتأشيرات الفرنسية للحصول على تأشيرة لفرنسا أو أوروبا بدفع مبلغ مالي يوازي نصف الأجر الشهري الأدنى وبلا إرجاع المبلغ في حالة رفض التأشيرة، كما وقع لشقيقي الشيخ محمد الصادق الذي درس وهو شاب في باريس وعمل فيها سنوات، وله فيها أهل وأقارب حين اشتاق لاستعادة ذكرياته الباريسية تقدم بطلب تأشيرة، وكان متأكدا من الحصول عليها لأنه شيخ كبير ولديه كفافه من مال وبنين، وله تاريخ مع فرنسا مثل أغلب التوانسة والمغاربيين، لكن الطلب رفض وأعادوا له جوازه دون ذكر سبب للرفض، وطبعا بعد انتزاع المبلغ المالي منه، وتعرفون أن المواطن الفرنسي والأوروبي يدخل إلى بلادنا ببطاقة تعريف بسيطة، حيث يشاء وكيف يشاء! لا أحدثك عن الشوارع النظيفة والأرصفة الشفافة وأخلاق الناس في المحلات العمومية وانضباطهم الأسطوري وسهولة التنقل وقضاء مشاويرك بيسر حتى تشعر وأنت تتجول في كوالالمبور وضواحيها، وتمر بمالاكا وباغون على الطريق السريعة نحو الجنوب تشعر بأن الطرقات السريعة الأوروبية أقل نظافة من هذه الدولة المسلمة، ثم إن مكافحة الفساد هنا ليس قولا ولا تصفية حسابات شخصية، بل استراتيجية ممنهجة وموضوعية وعادلة لاجتثاث ما يعطل التنمية ويحبط التكاتف السياسي. أيام منعشة تعزز اعتقادي بأن الإسلام كحضارة لا يتناقض مع التقدم ولا مع التألق.

إلى الأعلى