الإثنين 24 سبتمبر 2018 م - ١٤ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / اللجوء وثنائية الرفاه والنفايات

اللجوء وثنائية الرفاه والنفايات

عادل سعد

” إن محنة اللجوء غير الشرعي من أصقاع آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية محنه بنيوية بكل ما تعني هذه الكلمة من تشخيص, محنة تغذيها الوحشية السياسية والانكشاف الاقتصادي و الفساد والنزاعات العسكرية الحدودية والصلافة الدموية الأصولية وأحلام أمواج البحار والمحيطات في خليط لا مثيل له, تستطيع ان تجد نتاجه المحزن في امتزاج الدموع بالمياه المالحة وندرة الحصول على لقمة خبز. ”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أي واقع سكاني يمكن تخيله لو ان بلدان النزيف البشري المهاجر أصلحت شؤونها الاقتصادية العامة واعطت اهتماماً خاصاً لفرص التشغيل وتحولت الى دول جاذبة وليست طاردة, و بالمقابل, أية خيبة أمل صادمة يمكن أن تحصل لو أن جموع أصحاب النية في الهجرة الى الدول الاوروبية والولايات المتحدة الاميركية وكندا وأستراليا امتنعت تماماً عن هذه الرحلة المجهولة, خيبة أمل يمكن رصدها بسهولة في عموم تلك الدول التي تشكو الان من ضغط الهجرة اليها.
ليس نادراً احتمال ذلك, بل أنه في اليد لو خلص الاعتبار لعلاقات اقتصادية متكافئة بين الدول النامية و الدول المتقدمة صناعياً, وأعيد التصحيح بما يصون مقدرات البلدان النازفة لسكانها وفتح المجال امام ملايين البشر ضمن فرص استثمارية, وأعيد أيضاً تصحيح الصورة العالمية بملامح جديدة منزهة من عمليات السطو على حقوق الاخرين.
لا أنكر أن هناك العديد من المطبات والمعوقات اللوجستية القاهرة أمام هذا الاحتمال ولكنه بحكم الحقيقة لو تحرر أصحاب النية في الهجره من السقوط تحت ضغط القنوط واليأس نتيجة فاجعة الفقر المتواصلة, فلا لجوء الى المغامرة المطلقة غير المحسوبة اذا كان هناك أمل يساوي المسافة بين رقم الصفر ورقم واحد فعندها لا يمكن أن تتحرك أقدامهم باتجاه البلدان الاخرى, ومنهم اللاجئون الذين تداولت وسائل الاعلام العالمية مأساتهم خلال الأيام القليلة الماضية عندما رفضت حكومتا ايطاليا ومالطا استقبالهم الى أن رست سفينتهم المتهالكة على زورق أفرغهم الى البر الاسباني.
لقد غيبت مياه البحار والمحيطات ملايين من هولاء الفقراء البائسين مثلما غيبت بساتين الفراولة في اسبانيا مئات النساء المغربيات في استعراض متواصل للعبودية الاقتصادية والاستغلال الجنسي بشهادة كاشفة على صفحات ديرشبيغل, وما حصل من عزل للمهاجرين الى الولايات المتحدة عن أبنائهم عند الحدود الاميركية المكسيكية, و تهديدات وزير الداخلية الالماني المحافظ بغلق حدود بلاده نهائياً أمام اللاجئين تناغماً مع الحكومة الايطالية المحافظة الجديدة.
ان محنة اللجوء غير الشرعي من أصقاع آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية محنه بنيوية بكل ما تعني هذه الكلمة من تشخيص, محنة تغذيها الوحشية السياسية والانكشاف الإقتصادي و الفساد والنزاعات العسكرية الحدودية والصلافة الدموية الأصولية وأحلام أمواج البحار والمحيطات في خليط لا مثيل له, تستطيع ان تجد نتاجه المحزن في امتزاج الدموع بالمياه المالحة وندرة الحصول على لقمة خبز.
لك ان تتصور كم هي إجابة واقعية صدرت عن أحد اللاجئين عندما سأله صحفي:- ما الذي دفع بك الى هذه المغامرة المميته فأعاد اللاجئ رسم السؤال وسط بلادة ذلك الصحفي :- ومن الذي يمنعني من خوض هذه المغامر ة , امامي موتان موت البقاء وهو اقسى لأنه يأتي بدون حركة والموت المحتمل خلال الهجرة وكأنه بذلك يلبي المثل الصيني القائل رمي حجر قد يجلب الجواهر, خاصةً مع اغراءات اعلامية هائلة عن الفرص, وعن الحرية, وعن الصداقات, وعن كميات اللحوم التي يمكن ان يتناولونها, والنوم في نعيم غرف نظيفة لذلك تكون فرصة المغامرة بأتجاه ذلك اكثر قبولاً مع ارتفاع متواصل في أعدادهم حسب إحصاءات الأمم المتحدة التي أكدت في بيان صدر عنها خلال هذا العام أن معدلات الهجرة و اللجوء وصلت إلى 60 مليون شخص ولا يشمل هذا العدد الآلاف الذين ابتلعتهم مياه محيطات وبحار في لحظات منسية من توقيت العالم .
المفزع في كل ذلك أن الجميع يشكو وفي مقدمتهم الرئيس الاميركي ترامب صاحب فكرة الجدار العازل بين بلده والمكسيك من دون أن يعترف بمسؤولية توحش النفوذ الاستحواذي الاميركي و ما سبب ذلك من تفاقم الجدران النفسية التي شيدتها الشركات العابرة للقارات ونفوذ الهيمنة التجارية.
بالحق, ان الوضع الدولي العام بحاجة ماسة الآن إلى لحظة عدالة أمينة على المصير الإنساني , لاجئين ومستقبلين لكنها حاجة ستظل بعيدة المنال إذا لم يحسن الجميع اللقاء على طاولة مستديرة تشمل أصحاب الأحذية المثقوبة أو الحفاة مع أثرياء أفسدهم الرفاه الزائد فارتفعت نسبة نفايات رفاهيتهم على رؤوس فقراء العالم .

إلى الأعلى